المراد بالخلق ما يتعلق من الإيجاد بذوات الأشياء ، وبالامر ما يتعلق بآثارها والأوضاع الحاصلة فيها والنظام الجاري بينها كما ميز بين الجهتين في أول الآية حيث قال :
« خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ »
وهذا هو إيجاد الذوات :
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
وهو إيجاد النظام الأحسن بينها بإيقاع الامر تلو الامر والإتيان بالواحد منه بعد الواحد .
وما ربما يقال : إن العطف لا يقتضي المغايرة ، ولو اقتضى ذلك لدل في قوله :
مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ
( البقرة / 98 ) على كون جبريل من غير جنس الملائكة ! مدفوع بأن المراد مغايرة ما ولو اعتبارا لقبح قولنا جاءني زيد وزيد ورأيت عمرا وعمرا فلا محيص عن مغايرة ما ولو بحسب الاعتبار ، وجبريل مع كونه من جنس الملائكة يغايره غيره بما له من المقام المعلوم والقوة والمكانة عند ذي العرش .
وقوله تعالى :
« فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ »
أي كان ذا بركات ينزلها على مربوبيه من جميع من في العالمين فهو ربهم « 1 » .
قوله تعالى :
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً
إلى آخر الآيتين ؛ التضرع هو التذلل من الضراعة وهي الضعف والذلة . والخفية هي الاستتار ، وليس من البعيد أن يكون كناية عن التذلل جيء به لتأكيد التضرع فإن المتذلل يكاد يختفي من الصغار والهوان .
الآية السابقة :
« إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ »
الآية تذكر بربوبيته وحده لا شريك له من جهة أنه هو الخالق وحده ، وإليه تدبير خلقه وحده ؛ فتعقيبها بهاتين الآيتين بمنزلة أخذ النتيجة من البيان ، وهي الدعوة إلى دعائه وعبوديته ، والحكم بأخذ دين يوافق ربوبيته تعالى وهي الربوبية من غير شريك في الخلق ولا في التدبير .
هامش
( 1 ) . الأعراف 54 - 58 : كلام في معنى العرش .