تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 493

مساهمون:

ص٤٩٣
تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
التلقاء كالبيان مصدر لقي يلقى ثم استعمل بمعني جهة اللقاء ، وضمير الجمع في قوله :
« أَبْصارُهُمْ »
وقوله :
« قالُوا »
عائد إلى « رجال » والتعبير عن النظر إلى أصحاب النار بصرف أبصارهم إليه كأن الوجه فيه أن الإنسان لا يحب إلقاء النظر إلى ما يؤلمه النظر إليه وخاصة في مثل المورد الذي يشاهد الناظر فيه أفظع الحال وأمر العذاب وأشقه الذي لا يطاق النظر إليه غير أن اضطراب النفس وقلق القلب ربما يفتح العين نحوه للنظر إليه كأن غيره هو الذي صرف نظره إليه وإن كان الإنسان لو خلي وطبعه لم يرغب في النظر ولو بوجه نحوه ، ولذا قيل :
« وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ »
الخ ؛ ولم يقل وإذا نظروا إليه أو ما يفيد مفاده . ومعنى الآية : وإذا نظر أصحاب الأعراف أحيانا إلى أصحاب النار تعوذوا باللّه من أن يجعلهم مع أصحاب النار فيدخلهم النار ، وقالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين . وليس دعاؤهم هذا الدعاء دالا على سقوط منزلتهم ، وخوفهم من دخول النار كما يدل على رجائهم دخول الجنة قوله :
« وَهُمْ يَطْمَعُونَ »
وذلك أن ذلك مما دعا به أولو العزم من الرسل والأنبياء المكرمون والعباد الصالحون وكذا الملائكة المقربون فلا دلالة فيه ولو بالإشعار الضعيف على كون الداعي ذا سقوط في حاله وحيرة من أمره . هذا ما فسروا به الآية بإرجاع ضميري الجمع إلى « رجال » . لكنك خبير بأن ذلك لا يلائم الإظهار الذي في مفتتح الآية التالية في قوله :
« وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ »
إذ الكلام في هذه الآيات الأربع حال جار في أوصاف أصحاب الأعراف وأخبارهم كقوله :
« يَعْرِفُونَ كُلًّا »
الخ ؛ وقوله :
« وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ »
الخ ؛ وقوله
« لَمْ يَدْخُلُوها »
الخ ؛ على احتمال ، وقوله :
« وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ »
الخ ؛ وليس في الكلام أي لبس ولا نكتة ظاهرة توجب العدول من الإضمار الذي هو الأصل في المقام إلى الإظهار بمثل قوله :
« وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ »
.