أسير في مسير حياتي ولا أراد مماتي إلا له فإنه رب العالمين ، يملك الكل ويدبر أمرهم .
وقد أمرت بهذا النحو من العبودية ، وأنا أول المسلمين للّه فيما أراده من العبودية التامة في كل باب وجهة .
قوله تعالى :
قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ
الخ ؛ هذه الآية والتي بعدها تشتملان على حجج ثلاث هي جوامع الحجج المذكورة في السورة للتوحيد ، وهي الحجة من طريق بدء الخلقة ، والحجة من طريق عودها ، والحجة من حال الإنسان وهو بينهما وبعبارة أخرى الحجة من نشأة الحياة الدنيا والنشأة التي قبلها والتي بعدها .
فالحجة من طريق البدء ما في قوله :
« أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ »
ومن المعلوم أنه إذا كان رب كل شيء كان كل شيء مربوبا له فلا رب غيره على الإطلاق يصلح أن يعبد .
والحجة من طريق العود ما يشتمل عليه قوله :
« وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها »
إلى آخر الآية ، أي أن كل نفس لا تعمل عملا ولا تكسب شيئا إلا حمل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى حتى يحمل ما اكتسبته نفس على غيرها ثم المرجع إلى اللّه وإليه الجزاء بالكشف عن حقائق أعمال العباد ، وإذا كان لا محيص عن الجزاء وهو المالك ليوم الدين فهو الذي تتعين عبادته لا غيره ممن لا يملك شيئا .
والحجة من طريق النشأة الدنيا ما في قوله :
« وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ »
الخ ؛ ومحله أن هذا النظام العجيب الذي يحكم في معاشكم في الحياة الدنيا وهو مبني على خلافتكم في الأرض واختلاف شئونكم بالكبر والصغر والقوة والضعف والذكورية والأنوثية والغنى والفقر والرئاسة والمرءوسية والعلم والجهل وغيرها وإن كان نظاما اعتباريا لكنه ناش من عمل التكوين منته إليه فاللّه سبحانه هو ناظمه ، وإنما فعل ذلك لامتحانكم وابتلائكم فهو الرب الذي يدبر أمر سعادتكم ، ويوصل من أطاعه إلى سعادته المقدرة له ويذر الظالمين فيها جثيا ، فهو الذي يحق عبادته .