وإنما ينتظرون ما اقترحوه من الأمور .
وهذا الوجه غير بعيد بالنسبة إلى صدر الآية لكن ذيلها أعني قوله :
« يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ »
الخ ؛ لا يلائمه تلك الملاءمة فإن التهكم لا يتعدى فيه إلى بيان الحقائق وتفصيل الآثار .
قوله تعالى :
يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ
إلى آخر الآية ؛ يشرح خاصة يوم ظهور هذه الآيات ، وهي في الحقيقة خاصة نفس الآيات وهي أن الإيمان لا ينفع نفسا لم تؤمن قبل ذلك اليوم إيمان طوع واختيار أو آمنت قبله ولم تكن كسبت في إيمانها خيرا ولم تعمل صالحا بل انهمكت في السيئات والمعاصي إذ لا توبة لمثل هذا الإنسان ، قال تعالى :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ
( النساء / 18 ) ، فالنفس التي لم تؤمن من قبل إيمان طوع ورضى أو آمنت باللّه وكذبت بآيات اللّه ولم تعتن بشيء من شرائع اللّه واسترسلت في المعاصي الموبقة ولم تكتسب شيئا من صالح العمل فيما كان عليها ذلك ثم شاهدت البأس الإلهي فحملها الاضطرار إلى الإيمان لترد به بأس اللّه تعالى لم ينفعها ذلك ، ولم يرد عنها بأسا ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين .
وفي قوله :
لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ
الفصل بين الموصوف والوصف بفاعل الفعل وهو إيمانها وكأنه للاحتراز عن الفصل الطويل بين الفعل وفاعله ، واجتماع :
« فِي إِيمانِها »
و
« إِيمانُها »
في اللفظ .
قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ
الخ ؛ وجه الكلام السابق وإن كان مع المشركين وقد ابتلوا بتفريق الدين الحنيف ، وكان أيضا لأهل الكتاب نصيب من الكلام وربما لوّح إليهم بعض التلويح ولازم ذلك أن ينطبق قوله
« الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً »
على المشركين بل عليهم وعلى اليهود والنصارى لاشتراك الجميع في التفرق والاختلاف في الدين الإلهي .