تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الينابيع الفقهية — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
ولما أمر تعالى بالإشهاد في السلم بقوله تعالى : وأشهدوا إذا تبايعتم ، سنة واحتياطا أمر بالرهن احتياطا أيضا إذا لم يوجد كاتب ولا شهيد ، وإنما أورد ذكر كون السفر فيه وشرط الكلام به : إما لأن تلك الحال التي نزلت الآية فيها كانت على تلك الصفة ، وإما لأن فقدان البينة على الأغلب في حال السفر لا لأنه شرط في صحته . فصل : ثم قال تعالى : فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته ، لبين سبحانه بهذا أن الإشهاد والكتابة في المداينة والرهن ليس بواجب على ما ذكرناه وإنما هو على جهة الاحتياط ، معناه إن ائتمنه فلم يقبض منه رهنا فليؤد الذي اؤتمن أمانته ، يعني على الذي عليه الدين بأن يؤدي إليه حقه في محله ويؤدي الأمانة كما وثق به واعتقد فيه أي ليقض فيه الذي أمنه عليه . والائتمان افتعال من الأمن ، يقال : أمنه وائتمنه ، " وليتق الله ربه " أن يظلمه أو يخونه وهو وثق به وائتمنه ولم يرتهن منه شيئا ، وقرأ ابن عباس ومجاهد : ولم تجدوا كتبا ، يعني ما تكتبون فيه من طرس وغيره . وإذا ارتهن صاحب الدين وأشهد فقد أكد الاحتياط ، ولا بأس أن يكون الرهن أكثر قيمة من المال الذي عليه أو أقل ثمنا منه أو مساويا له لأن عموم اللفظ يتناوله على الأحوال ، وإنما قلنا إن الأحوط هو الإشهاد مع التمكن وإن استوثق من ماله رهنا لأنه إن اختلفا في مقدار المبلغ الذي الرهن لأجله كان على المرتهن البينة ، فإن لم يكن معه بينة فعلى صاحب الرهن اليمين ، وكذا إذا اختلفا في متاع فقال الذي عنده : إنه رهن ، وقال صاحب المتاع : إنه وديعة ، كان على المدعي لكونه رهنا البينة بأنه رهن ، وقد روي : أن القول قول المرتهن مع يمينه لأنه أمينه والبينة على الراهن ما لم يستغرق الرهن ثمنه . ومن أدل الدليل على أن الإشهاد والارتهان يصح اجتماعهما قوله تعالى بعد هذا ولا تكتموا الشهادة ، يعني بعد تحملها : ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ، إنما أضاف إلى القلب مجازا لأنه على الكتمان وإلا فالآثم هو الحي ، وقالت عائشة : الصامت عن الحق كالناطق بالباطل وكاتم الشهادة كشاهد الزور ، " والله بما تعملون عليم " يعني بما تسترونه وبما تكتمونه .