ففعلت هذا ، فلأنتقمن منك بشر ولدك ، ولأسلطنه عليك وعلى نسائك !
فعظم ذلك على داود ، فقال له ناتان : إن الله قد تجاوز عن سبيلك ، فلن تموت ،
ولكنه ينتقم منك بشر بنيك ، وأعلمه الله أن ولده الذي ولدته المرأة يموت ،
فجزع داود ، واشتد جزعه ، واشتكى الصبي ، فلما اشتدت علته صام وقام
ليصلي ويبكي ، ويتمرغ بالشعر على الأرض ، فلما توفي الصبي أعظم خول
داود أن يخبروه بذلك ، حتى سمع بوشوشتهم ، فعلم ، فغسل وجهه ، ولبس
ثيابه ، وجلس في مجلسه ، ودعا بطعامه ، وقال : إنما كنت أحزن قبل أن يهلك ،
فأما الساعة ، فإن حزني لا يرده إلي بل أنا أذهب إليه . ثم واقع برسبا ، فحملت
غلاما ، فسماه سليمان .
ثم إن أبيشالوم بن داود قتل أخاه آمنون ، وذلك أنه اتهمه بأخت له من
أمه ، فقتله ، وخرج على داود . وكان أبيشالوم عظيم الجسم ، كثير الشعر ،
فبعث إليه داود من رده حتى رجع ، ثم خرج عليه ثانية ، فهرب منه داود
ماشيا على رجليه ، حتى صعد عقبة طور سينا ، وبلغ منه الجوع حتى لحقه رجل
معه خبز وزيت ، فأكل منه ، ودخل أبيشالوم مدينة أبيه ، وصار إلى داره
وأخذ سراري أبيه ، فوطئهن ، وقال : ملكني الله على بني إسرائيل ، وخرج
ومعه اثنا عشر ألفا ، فطلب داود ليقتله ، فهرب داود حتى جاز نهر الأردن ،
فلما جاز اجتمع إليه جماعة من أصحابه ولفيف من القرى ، فوجه يؤاب ولده
ليحارب أبيشالوم ، وقال له : خذه لي حيا صحيحا ! فخرجوا ، فحاربوه ،
وكان أبيشالوم على بغل ، فدخل تحت شجرة بطم ، فتعلق بها ، فاندقت عنقه ،
ورماه يؤاب بثلاثة أسهم ، وطرحه في جب ، فلما أتى داود الخبر جزع عليه
جزعا شديدا ، ورجع داود إلى موضعه .
وخرج على داود بعد ذلك أزلا ، ومعه جبابرة ، فحاربهم ، فقتلهم ،
فلما قتلهم ، وأنقذه الله منهم ، قام يقدس الله ويسبحه ، فقال في تقديسه :
إياك يا رب أعبد ، ولك أخلص محبتي ، فإنك قوتي وعدتي ، وملجأي
تاريخ اليعقوبي — صفحة 53
مساهمون: اليعقوبي
ص٥٣