هذه هي كلماته على ملايين المسلمين ، فماذا كان جوابهم ؟
إنه السكوت المطبق ، وكأن لسان حالهم يردد :
للفتى عقل يعيش به * حيث يهدي ساقه قدمه
أو :
ما إن ندمت على سكوتي مرة * ولقد ندمت على الكلام مرارا
اما من تجرأ على الكلام منهم كعبد الله بن الأهتم التميمي فقد وصف الحجاج بن
يوسف بأنه مثل أنبياء الله تعالى ! !
قال ابن قتيبة بعد أن أورد له خطبته التي ساوى فيها بين المحسن والمسئ : فقام
إليه عبد الله بن الأهتم التميمي فقال : أيها الأمير أشهد أنك أوتيت الحكمة
وفصل الخطاب ، فقال له : كذبت ذاك نبي الله داود ( 1 ) .
ومما يستنتج من خطب الحجاج أمور هي :
1 - انه كان يشتم الناس من على منبره علنا ، ويهددهم ويوعدهم قبل
هذا وقد مر بي منذ زمن بعيد كلام - غاب عني مصدره - خلاصته ان عبد الملك بن
مروان قد أوعز إلى الحجاج بقمع ثورة محمد بن عبد الرحمن بن الأشعث - على ما أظن -
وأن يستعرض أنصارها من العراقيين بعد إخمادها واحدا بعد واحد على أن يقروا على
أنفسهم بأنهم كفروا بعد الإيمان لأنهم خرجوا على عبد الملك ويعلنوا توبتهم بين
يدي الحجاج ، ومن أبى يقتله ، وقد فعل الحجاج ذلك بهم ، وأقروا على أنفسهم بالكفر
بعد الإيمان وطلبوا قبول توبتهم من الحجاج ، ولا معنى لهذا غير التقية . ومن طريف ما
أتذكره ان شيخا كبيرا كان من جملة من اتي به ليقر بالكفر بعد الإيمان ويطلب
التوبة ، فقال الحجاج - وقد أراد قتله - : لا أظن أن هذه الشيبة قد ارتدت بعد
الإسلام . فقال الشيخ - على الفور - : يا حجاج لا تخدعني عن نفسي ، اني كنت مرتدا
وها أنذا أتوب بين يديك ، فضحك الحجاج وتركه .
هامش
( 1 ) عيون الأخبار / ابن قتيبة 2 : 264 .