شرح
مأخوذة مفروضة الوجود . وهذان النحوان كلاهما ممكنان في مقام الاثبات ، إلاّ أنّ المتبع في مقام الاثبات ظاهر الدليل ، فإنه يختلف باختلاف التعبير ، إذ قد يكون اللسان فيه كالأوّل كقوله حج متسكعاً أو صل متطهراً ، فيفيد أن الطهارة أو الحج المأخوذ مأخوذ في متعلق التكليف ، فالوجوب مطلق وإن كان الواجب مقيداً ، واُخرى يكون اللسان كما في قوله : إن سافرت فقصر أو إن أقمت فتم أو إن تطهرت فصلِّ ، فتكون الطهارة المأخوذة مأخوذة في موضوع التكليف ومفروضة الوجود ، والمأمور به هو الصلاة فقط كقوله : إن سافرت فصلِّ قصراً ، فالسفر غير واجب ولكن على تقدير تحققه فيجب القصر .
وأما القيود غير الاختيارية وهي القسم الأوّل من القيود فلا يمكن أخذها إلاّ شرطاً للتكليف ، ويستحيل أخذها قيداً في المتعلق ، أي يستحيل فيها النحو الأوّل من القسم الثاني المتقدم بعنوان ( أ ) ، لأن التقييد إن كان بقيد غير اختياري فلا يمكن تكليف المكلف بفعل مقيد بقيد غير اختياري ، لأن الفعل المقيد بقيد غير اختياري ليس اختيارياً للمكلف ، وما لم يكن اختيارياً للمكلف كيف يطلب منه ويصير متعلقاً للتكليف ، فلا مناص من أن يؤخذ على النحو الثاني وهو أن يؤخذ شرطاً للتكليف ، سواء أقال : إذا زالت الشمس فصلِّ ، أم قال : صلِّ عند زوال الشمس ، والمراد منهما واحد وهو شرطية الزوال لوجوب الصلاة ، وأخذه مفروض الوجود عند تعلق التكليف بالصلاة ، لامتناع أخذه قيداً .
وبعبارة اُخرى : المقيد بقيد غير اختياري إنما يكون مقدوراً حينما يكون القيد حاصلاً ، ففي مثل ( الصلاة إلى القبلة ) القبلة موجودة يمكن للإنسان أن يصلي إلى القبلة ، ويمكن للإنسان أن يصلي لا إلى القبلة ، فالصلاة إلى القبلة مقدورة ، والمكلف قادر على الصلاة إليها ، فالتمكن في الفعل المقيد إنما يفرض فيما فرض وجود القيد ، وأما لو لم يكن القيد مفروض الوجود ، فلا يمكن التكليف بالفعل المقيد ما دام القيد ليس تحت اختيار المكلف ، فلا يفرق بين ما إذا قال : إذا زالت الشمس فصلِّ ، أو قال : صلِّ بعد زوال الشمس ، وذلك لأنه لا يمكن التكليف بالمقيد إلاّ بعد فرض وجود القيد خارجاً ، فهو مفروض الوجود لا محالة بأي عبارة عبّر الآمر بالاُولى أو بالثانية ، ففي كل منهما يكون التقييد بذلك شرطاً للتكليف لا قيداً في متعلق التكليف .