وقد يقال : بتقديم قول من يدّعي الصحة ( 1 ) وهو مشكل ، إذ مورد الحمل على الصحّة ما إذا علم أنهما أوقعا معاملة معينة واختلفا في صحّتها وفسادها ، لا مثل المقام الذي يكون الأمر دائراً بين معاملتين ، على إحداهما صحيح ، وعلى الاُخرى باطل ، نظير ما إذا اختلفا في أنهما أوقعا البيع الصحيح أو الإجارة الفاسدة مثلاً ، وفي مثل هذا مقتضى القاعدة التحالف ، وأصالة الصحّة لا تثبت كونه بيعاً - مثلاً - لا إجارة ، أو بضاعة صحيحة - مثلا - لا مضاربة فاسدة .
شرح
( 1 ) ويكون الآخر هو المطالب بالاثبات ، أي يكون مدعي الفساد هو المطالب بالاثبات ، وذلك لأصالة الصحة في فعل المسلم ( 1 ) ، فكل من يدعي الصحة يقدم قوله ويكون مدعي الفساد مطالباً بالإثبات .
وأجاب الماتن ( قدس سره ) عن ذلك بأن موضوع أصالة الصحة ( 2 ) وموردها ما إذا كان عنوان المعاملة « كالبيع » أو الإيقاع « كالطلاق » معلوماً ، وكان الشك في صحته وفساده ، فلو ادعى أحدهما بطلان البيع أو النكاح أو الطلاق بعد وقوعه ، وادعى الآخر صحته حكم بالصحة ، ولابدّ لمدعي الفساد من الإثبات . وأما لو لم يكن العنوان محرزاً ، كما إذا ادعى أحدهما أن الواقع هو البيع الصحيح ، والآخر الإجارة الفاسدة أو العكس ، فلا يمكن الحكم بالصحة لأصالة الصحة وأن الواقع في الخارج هو البيع الصحيح ، فلابدّ لمدعي الإجارة الفاسدة من الاثبات أبداً . وكذا لو لم يعلم أن الواقع في الخارج هل هو طلاق الزوجة طلاقاً صحيحاً أو بيع الدار بيعاً فاسداً ، أو أن الواقع هو النكاح الصحيح لهذه المرأة أو الإجارة الفاسدة لهذه الدار ، وهكذا .
وما ذكره الماتن ( قدس سره ) هو الصحيح إذ إن أصالة الصحة إنما تجري في موردين :
الأوّل : حمل فعل المؤمن على الصحة ، وهذا لا فرق فيه بين ما إذا كان عنوان العمل محرزاً معلوماً - كافطاره في شهر رمضان ، فيحمل فعله على الصحة من كونه مسافراً أو مريضاً - أو مردداً كما لو صدر منه كلام لا ندري أنه شتم لنا أو سلام علينا ، فيحمل على الصحيح ، ولا يتهم بسوء ، وإن لم يثبت بذلك وجوب ردّ السلام ، إذ لم نحرز باصالة الصحة أنه سلم علينا ، وأصالة
هامش
( 1 ) ذهب إليه الشهيد في المسالك 4 : 364 قال : « ولأنه لا يحكم بإلغاء اللفظ ما أمكن حمله على الصحيح » .
( 2 ) ذكر ذلك في الجواهر 26 : 366 .