شرح
ب - واُخرى ما لو وقعت إجارة الدار كل شهر بدرهم على نحو الإهمال بالنسبة إلى المدة ، أي لم تكن المدة معينة كسنة ، ولا إلى آخر زمان إمكان الانتفاع بالعين ، أي لا مقيداً بزمان خاص ولا على نحو الاطلاق بل على نحو الإهمال . وهذا بالنسبة إلى الملتفت للزمان غير معقول فلا يقع في الخارج حتّى يحكم بصحته أو عدم صحته ، لأن الإهمال في الواقعيات غير معقول في نفسه كما ذكرناه في الاُصول ( 1 ) @ فإن الذي
يلتفت في مقام الإنشاء إلى خصوصية من الخصوصيات لا يعقل أن ينشئ لا مقيدا بها ولا مطلقا بالنسبة إليها ، فإن من يقول : جئني بما ، وملتفت إلى أن الماء على قسمين حلو ومر ، لا يعقل أن لا يقيد ولا يطلق ، فإما أن يأخذ الخصوصية كأن يقول : الحلو ، فهو مقيد ، وأما أن لا يؤخذ الخصوصية فهو المطلق ، وليس لنا في مقام الثبوت للملتفت ، بل ولا يعقل أنه لا يقيد ولا مطلق بل يهمل . نعم يمكن ذلك في مقام الأثبات ، وهو خارج عن محل الكلام . ففي مقام الثبوت إجازة الدار كل شهر بدرهم لا مقيدا بمدة ولا مطلقا من الملتفت أمر غير واقع في الخارج حتى يحكم بصحته أو بعدم صحته . نعم يمكن وقوع ذلك أي الإهمال من
هامش
كانت عبارة عن الأوراق النقدية الاعتبارية والفلوس المتداولة في زماننا ، فلو آجر شخص داره أو عمارته في كل شهر بمائة دينار إلى مدة عشر سنين ، فإنه ( قدس سره ) حكم بصحة هذه الإجارة باعتبار عدم الجهل فيها ، والحال إن في كل المعاملات مثل هذه المعاملة غرر واضح ، أي فيما إذا لم تكن الاُجرة من الدنانير الذهبية والدراهم الفضية وذلك لأن هذه الأوراق الاعتبارية وخصوصاً في الدول التي لا استقرار اقتصادي فيها في تنزل لاعتبار قيمتها بنحو مستمر ، وعادة بعد الأشهر الاُولى أو بعد السنة الاُولى تكون إجارة عمارته أو داره في سنة واحدة تساوي اثني عشر ألف دينار باعتبار تنزل قيمة الدينار - لا من جهة ارتفاع قيمة الإيجارات لأنها كارتفاع قيمة العين المباعة بعد البيع لا توجب غرراً - في حين أنه هو آجرها عشر سنين باثني عشر ألف دينار ، وهذا بخلاف ما لو كان قد آجرها بمائة دينار ذهب أو بما يساوي المائة دينار ورقي في وقته - أي في وقت الإجارة - من المثاقيل الذهبية ، كما لو كانت تسوى المائة دينار التي هي من الأوراق النقدية عشرة مثاقيل ذهب أو عشرة دنانير ذهبية ، فإن هذه المثاقيل أو الدنانير الذهبية لا تتنزل قيمتها كما هو الحال في الأوراق النقدية ، والمقصود أن الإجارة حتّى لو كانت معلومة الثمن بالأوراق الاعتبارية في زماننا بالنسبة لما إذا كانت الإجارة مدة طويلة تكون غررية جزماً ، ومع ذلك حكم السيد الاُستاذ وأصحاب هذا القول جميعهم بصحتها . وهو كما ترى فيها من الغرر والضرر ما لا يتحمل . ولذا نرى كان الإيجار سابقاً عندما كانت الاُجرة بالدنانير الذهبية - على ما ذكرناه في كتاب الخمس - للدار أو نحوها سنة ولكن حينما تحول الثمن إلى الأوراق النقدية الاعتبارية التي لا استقرار لها ، أخذ الناس يؤجرون بيوتهم أو أملاكهم بالأشهر لا بالسنين ، بل في بعض البلدان على ما بلغنا الإيجار يكون اسبوعاً اسبوعاً ، والظاهر أن السبب في ذلك هو ما ذكرنا .
( 1 ) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 177 .