شرح
نعم ، لو حصل الاطمئنان بصدق دعواه ، فلا شك في جواز الجري على طبقه ، وهو علم تعبدي يمكن به رفع اليد عن الاستصحاب ، دون غيره من الظنون التي لا دليل على حجيتها والتي لا تغني عن الحق شيئاً .
وأما مع مجهولية حالته السابقة ، فالظاهر جواز الاعطاء له من الزكاة وإن لم نظن بصدقه ، والوجه في ذلك : أن الغنى أمر حادث بعد ما لم تكن الملكية حادثة ، ولو حال التولد - إلاّ نادراً - فإذا شك في ارتفاع عدم المكلية المسبوق التحقق وحدوث الغنى استصحبت الحالة السابقة ، ولعل مستند السيرة العملية القائمة على الاعطاء في المقام إلى الاستصحاب عند التحليل لا لخصوصية دعوى الفقر ، فإنه من البعيد جداً قيام سيرة تعبدية كاشفة عن رأي المعصوم ( عليه السلام ) في ذلك ( 1 ) .
وعليه فالاحتياط الوجوبي بعدم الاعطاء له إذا لم يظن صدقه الذي قاله الماتن ( قدس سره ) لا وجه له ، أي لا الاحتياط الوجوبي بعدم الاعطاء له لأنه خلاف الاستصحاب الذي ترجع إليه السيرة ، ولا الظن بصدقه مجوز للاعطاء له ، لو فرض أن الاحتياط الوجوبي يقتضي عدم الاعطاء له ، لأن هذا الظن ليس بحجة حتّى يخرج به عن مقتضى الاحتياط الوجوبي لو فرض صحة الاحتياط الوجوبي .
ويؤيد جواز الاعطاء الذي يقتضية الاستصحاب ما ورد في من جعل جاريته هدياً للكعبة كما في صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر ( عليهما السلام ) من أنها تباع ويؤخذ ثمنها وينادي مناد على الحجر : « ألا من قصرت به نفقته أو قطع به أو نفد طعامه فليأت فلان بن فلان ، ومره أن يعطي أوّلاً فأوّلاً حتّى ينفد ثمن الجارية » ( 2 ) .
ووجه كونه مؤيداً هو جواز كون ذلك من خصائص النذر للكعبة أو الإهداء إليها ، فأي مجوز للتعدي عنه إلى غيره ، وسماع الدعوى من كل أحد .
ويؤيد ذلك أيضاً مصحح عامر بن جذاعة ، قال : « جاء رجل إلى أبي عبد الله ( عليه السلام ) فقال له : يا أبا عبد الله ، قرض إلى ميسرة ، فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : إلى غلّة تدرك ؟ فقال الرجل : لا والله ، قال : فإلى تجارة تؤوب ؟
هامش
أو لا ، فإنه يحمل فعله على الصحة وأنه إن شاء الله ليس إلاّ مسافراً أو مريضاً ، وأنه لم يفطر عمداً عصياناً في شهر رمضان ، دون ترتيب أي أثر وأي لازم على ذلك ، كوجوب رد السلام لو شك في أنه سلم علينا أو سبنا ، فإن الحمل على الصحّة وأنه سلم علينا لا يقتضي وجوب رد السلام عليه كما عرفت .
( 1 ) هذا تعريض بما في المستمسك حيث قال : « فالعمدة السيرة القطعية على العمل بقوله ، والتشكيك فيها في غير محله . . . » المستمسك 9 : 140 طبعة بيروت .
( 2 ) الوسائل ج 13 : 247 باب 22 من أبواب مقدمات الطواف ح 1 ، 7 .