شرح
وبعد الخرص يجوز للمالك التصرف في أي فرد شاء من المال الزكوي لكونه كله له ملكاً طلقاً ، ثمّ لو ظهر الخلاف في الخرص وتبين الغبن فيه ، فإن كان قليلاً مما يتسامح فيه كما نرى ذلك في الأسواق فلا يثبت الخيار للمغبون ، وإن كان مما لا يتسامح فيه فيوجب الخيار للمغبون منهما ، ولكن على مسلك الماتن من جواز اعطاء القيمة ولو عروضاً ومن غير ما هو متمحض بالمالية ، فلو أعطى من نفس الجنس في المعاملة التي هي بين العين الخارجية والذمّة فتكون المعاملة ربوية ، واحتمال الزيادة يجعل المعاملة ربوية ، ومعها كيف تجوز ؟ !
وعلى كل حال ، الخرص بهذا المعنى مشكل حتّى في التمر والعنب ، فضلاً عن الزرع الذي هو الحنطة والشعير ، بنحو يترتب عليه ما ذكره الماتن من جواز تصرف المالك ، لأنه يكون بتمامه ملكاً طلقاً له ، فيكون الزائد من مقدار الزكاة الواقعية الذي لم يشمله الخرص له والناقص عليه .
وذلك لأنه لا دليل على الخرص بهذا المعنى ، فإنه ليس هو المعنى المعهود المتعارف للخرص حتّى تنزل الروايات عليه ، فلا دليل عليه ، بل ظاهر الروايات أن الخرص بمعنى التخمين كما ذكرناه لا بمعنى النقل والمعاملة .
نعم ، إذا رأى الحاكم الشرعي المصلحة في ذلك جاز بلا كلام بمقتضى ولايته حتّى في الزرع فضلاً عن التمر والعنب ، ولكن على مبنانا القائم على جواز الاعطاء من القيمة المتمحضة بالمالية كالنقدين أو ما يقوم مقامهما من الفلوس المتعارفة في زماننا ، لا فيما إذا كانت القيمة عروضاً فضلاً عن كونها من نفس الجنس ، وإلاّ فمع جواز كون القيمة عروضاً ومن نفس الجنس فتطرق احتمال الربا يجعل المعاملة ربوية وغير جائزة .
وأما إذا لم يرَ الحاكم الشرعي المصلحة في ذلك ، فجوازه حينئذ سواء كان من الساعي أم غيره أم المالك بنحو تكون له الولاية على نقل الزكاة من العين إلى الذمّة ، ويكون الاعتبار بما خرص وإن كان ناقصاً أو زائداً ، محتاج إلى دليل ، ولا دليل على ذلك . مضافاً إلى احتمال كون المعاملة ربوية على مسلك الماتن ، إلاّ أن تكون مصالحة بناءً على عدم جريان الربا في المصالحة الذي هو خلاف الصحيح ، فإن الأظهر جريان الربا حتّى في الصلح ونحوه ، فإن ما ورد في حرمة الربا عام شامل لكل معاملة .
وأما على ما قلناه نحن من معنى الخرص فقد تقدم أنه ليس من المعاملات ، بل هو طريق متعارف نصبه الشارع للتسهيل ، وصحة البناء عليه إنما هي حال الشك ، لا حال العلم بالمخالفة وعدم المطابقة للواقع .