شرح
ولو كان في بعض الآيات المباركة الخطاب شامل لجميع الناس كما في قوله تعالى : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) ( 1 ) فهذه الآيات المباركة خاصة بالمؤمنين ( 2 ) .
وأما الدليل الثاني - أعني الآيتين المتقدمتين - فلا دلالة لهما على تكليف الكفار بالفروع ، لإمكان أن يراد بهما عدم كونهم من المصلين ومن مطعمي المساكين لاختيارهم عدم الإسلام والتكذيب بيوم الدين كما في ذيل الآية الاُولى ، وإمكان أن يراد بعدم إيتاء الزكاة في الآية الثانية تركها بترك الإسلام واختيار الكفر بالآخرة كما في ذيل الآية أيضاً ، فلا دلالة للآيتين على أن العذاب والويل على ترك الفروع بأنفسها ، بل ظاهرها العذاب والويل على ترك الإسلام ، وهو واضح .
ومما يدل على اختصاص الأحكام بالمسلمين وعدم شموله للكفار قوله تعالى : ( الزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَان أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَ لِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) ( 3 ) فإنه لا شك لا
يراد من النكاح العقد جزما ، إذ إنه لا يجوز لا بين المسلمة والمشرك ولا بين المسلم والمشركة باتفاق جميع المسلمين ، بل المراد به الوطء ، والآية المباركة تشير إلى طبيعة السنخية ، وإن الزاني لا يجد من يزني بها إلا زانية مثله أو مشركة ، وكذا الزانية لا تجد من يزني بها إلا زانيا أو مشركا ، لأنهما من سنخ واحد ، وكل فرد
هامش
( 1 ) سورة آل عمران 3 : 97 .
( 2 ) فتقيدها بخصوص المؤمنين ، فلا يبقى دليل دال بعمومه أو اطلاقه على تكليف الكفار بالفروع .
وما يقال كما عن المشهور : لا تقييد بين الموجبين كما في قولك أعتق وأعتق رقبة مؤمنة لعدم التنافي بينهما ، فيحمل المقيد على أفضل الأفراد ، فكذا في المقام ، وإنما التقييد بين الموجب والسالب كما في قولك أعتق رقبة ولا تعتق رقبة كافرة للتنافي بينهما فيرفع بالتقييد . فقد ذكرنا فيه غير مرة أنه بمكان من المنع إذ إن المقتضي للتقييد الموجود بين الموجب والسالب هو بنفسه موجود بين الموجبين وهو التنافي بين الدليلين ، فإن الوصف بل مطلق القيد وإن لم يكن له مفهوم كبقية المفاهم إلاّ أنه دال على عدم ثبوت الحكم للطبيعي ، وإلاّ كان التقييد بالمؤمنة في المقام لغواً ، نعم لو لم يكن الوصف أو العقد احترازياً لقرينة على ذلك كان الأمر كما ذكره المشهور ، وإلاّ فالظاهر من القيد - كما في الموجبة الثانية - الاحترازية وإلاّ كان القيد لغواً ، فهو في منافاته للموجبة الاُولى وهي قولك اعتق رقبة كمنافاة قولك لا تعتق رقبة كافرة لقولك اعتق رقبة ، فكما أن الثاني موجب للمنافاة بين الدليلين ومقتض لحمل المطلق على المقيد ، كذلك الأوّل موجب للتنافي بين الدليلين ومقتض لحمل المطلق على المقيد ، فيحمل الخطاب المطلق الشامل لجميع الناس على المقيد بالمؤمنين . وقد ذكر كبرى ذلك السيد الاُستاذ في موسوعته في بحث المطلق والمقيد ج 46 : 549 .
( 3 ) النور 24 : 3 .