ويجوز لغيرهما النفر من منى بعد ظهر اليوم الثاني عشر ( 1 ) .
شرح
هذه المعتبرة لا يمكن المساعدة عليها ، أوّلاً : لدلالة الروايات المشار إليها آنفاً على اختصاص الحكم المزبور بمن لم يتقِ الصيد ، وأمّا من اتقاه فيجوز له النفر في النفر الأوّل ، فتحمل هذه المعتبرة على الاستحباب . وثانياً : السيرة القطعية دالة على عدم الوجوب ، إذ قلّ ما يوجد في الحجاج من قد اتقى جميع المحرمات ، ولو كان المبيت واجباً على من ارتكب أحد المحرمات لظهر وبان ، مع أن المشهور بل المجمع عليه خصوا الحكم بمن لم يتق الصيد والنساء ( 1 ) .
وأمّا ما عن ابن إدريس ( 2 ) من تخصيص الحكم بالمحرمات التي لها كفّارة فلم يظهر وجهه أيضاً .
وعليه فالصحيح هو اختصاص الحكم بالصيد ، وإن كان الاحتياط في النساء أيضاً في محلّه .
( 1 ) لابدّ وأن يكون النفر في اليوم الثاني عشر الذي هو لمتقي الصيد - والنساء على الأحوط - بعد زوال الشمس ، فليس له النفر قبل الزوال . ويدل على ذلك عدة من الروايات :
منها : صحيحة الحلبي : « أنه سئُل أبو عبد الله ( عليه السلام ) عن الرجل ينفر في النفر الأوّل قبل أن تزول الشمس ؟ فقال : لا . ولكن يخرج ثقله إن شاء ، ولا يخرج هو حتّى تزول الشمس » ( 3 ) .
ومنها : صحيحة أبي أيوب ، قال « قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : إنّا نريد أن نتعجل السير وكانت ليلة النفر حين سألته ، فأي ساعة ننفر ؟ فقال لي : أمّا اليوم الثاني فلا تنفر حتّى تزول الشمس ، وكانت ليلة النفر ، فأمّا اليوم الثالث فإذا ابيضّت الشمس فانفر على كتاب الله ، فإنّ الله عزّوجل يقول : ( فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ) فلو سكت لم يبق أحد إلاّ تعجل ، ولكنه قال : ومن تأخر فلا إثم
عليه » ( 4 ) .
هامش
( 1 ) أقول : السيرة الدالة على عدم الوجوب إنما هي دالة على عدم الوجوب على من لم يتق أحد المحرمات ولم تقم السيرة على عدم الوجوب على من لم يتق النساء ، فلا مانع من العمل بالصحيحة عنده من هذه الجهة ، وأما الروايات المشار إليها آنفاً الدالة على أن من لم يتق الصيد ليس له أن ينفر بالنفر الأوّل ، فهي غير حاصرة لمن ليس له النفر في النفر الأوّل بمنى صاد وإن كانت دالة عليه ، إلاّ أنّها غير حاصرة لذلك بمنى صاد بنحو تنافي ما دل على أن من لم يتق النساء ليس له أن ينفر بالنفر الأوّل أيضاً . وعلى فرض الحصر في روايتي حمّاد فالاُولى ضعيفة والثانية كما أشرنا إليها في الهامش ضعيفة أيضاً ، ولا يحتمل الحصر في صحيحة جميل التي هي العمدة ، وهي التي ذكرناها في الهامش المتقدم .
( 2 ) السرائر 9 : 402 طبعة مكتبة الروضة الحيدرية .
( 3 ) الوسائل ج 14 : 276 باب 9 من أبواب العود إلى منى ح 6 .
( 4 ) الوسائل ج 14 : 275 باب 9 من أبواب العود إلى منى ح 4 .