شرح
كما في صحيحة حمّاد ( 1 ) عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : « لا تنظر في المرآة وأنت محرم فإنه من الزينة » ( 2 ) .
وقد يقال : إن الطائفتين مثبتتان ولا تقييد في المثبتين لأن الحكم انحلالي ، ولا يكون التقييد في الحكم الانحلالي كما بيّن في محلّه ، وأنّ التقييد لا مفهوم له ، فلا منافاة بين ثبوت الحكم للمطلق وللمقيد معاً ، وعليه فيحكم بالحرمة على الاطلاق .
وفيه أوّلاً : إن الاطلاق في نفسه غير تام ، فإن قوله ( عليه السلام ) : « لا ينظر المُحرم أو المُحرمة في المرآة فإنه من الزينة ، ليس فيه اطلاق ، بل ظاهره أن الممنوع هو النظر بعنوان الزينة ، أي بما أن المرآة من الزينة فالنظر فيها نظر للزينة ، وإلاّ فلو لم يكن هذا مقصوداً فلا معنى للتعليل ، لأن النظر إلى الزينة ليس من المحرمات قطعاً ، والمذكور فيها إنه من الزينة ، فمعناه أن النظر إلى الزينة محرم ، وهو لا يتحمل أبداً ، فإنه ليس نظر المحرم إلى اللباس أو الحليّ حرام ، فإن الزينة ما يتزين به الإنسان لقوله تعالى : ( خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِد ) أي ألبستكم ، فليس النظر إلى الزينة محرماً حتّى يعلل النظر إلى المرآة بأنه من الزينة ، إذن فالمراد بقوله : « فإنه من الزينة » النظر إلى المرآة الذي هو من الزينة ، فبما أنّه تزين لا يجوز على الاطلاق ، فلا اطلاق فيها لما إذا لم يكن من الزينة ، كما لو كان لأجل ضرورة طبية أو كنظر السائق .
وثانياً : لو تم الاطلاق فقد ذكرنا أن القيد وإن لم يكن له مفهوم إلاّ أنّه لا يكون ذكره لغواً إن كان من الإمام ( عليه السلام ) فلابدّ وأن تكون له خصوصية ، وهي عدم ثبوت الحكم للمطلق .
إذن فالصحيح أن النظر في المرآة إذا لم يكن بقصد الزينة لا يحكم بحرمته .
ثمّ هل يختص النظر المحرم بما إذا كان إلى المرآة ، أو يعم سائر الأجسام الصقيلة كالماء الصافي أو بعض الأجسام الاُخرى الشفافة العاكسة لشكل الإنسان وهيئته ؟
الظاهر أنه لا دليل على التعميم ، بل الحكم خاص بالمرآة ، فالتعدي منها إلى غيرها مما ليس بمعد للزينة وإن استعمله الإنسان للزينة لا دليل على حرمته ( 3 ) ومقتضى الأصل الجواز .
هامش
( 1 ) وغيرها أيضاً كصحيحة حريز عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : « لا تنظر في المرآة وأنت مُحرم ، لأنّه من الزينة » ، الوسائل ج 12 : 472 باب 34 من أبواب تروك الإحرام ح 3 .
( 2 ) الوسائل ج 12 : 472 باب 34 من أبواب تروك الإحرام ح 1 .
( 3 ) أقول : النظر المحرّم إلى المرآة علل في الروايات المتقدمة بكونه للزينة ، فالمحرم هو النظر إلى كل شيء يكون النظر فيه للزينة بمقتضى عموم التعليل ، سواء كان هو المرآة أو أي جسم صقيل يعكس صورة الإنسان ، ولا فرق بينهما أبداً ، لأن المحرّم هو النظر الخاص لا إلى خصوص المرآة ، وإنما المرآة كانت مورداً للنظر الخاص ، وقد يكون