الشأنية ، وإلى ذلك تشير الآية الكريمة : ( قال الذي عنده علم
من الكتب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ) فقد اعتبرت
الآية الكريمة أن آصف بن برخيا قد تصرف بظروف الزمان
والمكان - ضمن تفصيل سيأتي عما قليل - نتيجة ما
عنده من علم الكتاب ، مع عنايتها بكلمة ( علم - من -
الكتاب ) التبعيضية لتشير إلى أنه لم يكن لديه علم من
الكتاب إلا بعضه ، ولكن كيف الحال بمن يمتلك كل علم
الكتاب المشار إليه الآية القرآنية : ( ويقول الذين كفروا
لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده
علم الكتاب ) ( 1 ) فهذا الرجل ( 2 ) ينبغي أن يكون أفضل من
آصف بن برخيا منزلة ، وكذا في طبيعة قدراته على
التصرف بشؤون الولاية التكوينية ، ولهذا ليس من
الصحيح أن يكون هذا الرجل هو من علماء أهل الكتاب
كما تذهب إليه بعض مرويات العامة ( 3 ) وإلا لكان آمن
هامش
1 - الرعد : 43 .
2 - العجيب أن أغلب تفاسير العامة قالت أن من عنده علم
الكتاب هو الله جل جلاله ، وقد تعسفوا لذلك تعسفات كانوا
في غنى عنها ، رغم وضوح أن الواو هنا عاطفة ، ولكنها
الطائفية العمياء ! ! أنظر تفصيلها في كتابنا : من عنده علم
الكتاب ؟ .
3 - وذهب إلى ذلك في جملة مخالفاته الأخيرة للإمامية محمد
حسين فضل الله في جوابه لسؤال وجه في جوابه لسؤال وجه إليه حول هذا
الخصوص ، فنفى أن تكون الآية قد نزلت بحق الإمام
علي ( عليه السلام ) ، مدعيا أن الأقرب هي نزولها بحق علماء أهل
الكتاب ، ولذا قال ما نصه : ( هناك رواية تقول أنه علي ( عليه السلام ) ،
ولكن هناك روايات تنطلق من سياق الآية أي أن النبي ( ص )
كان يستشهد بالأشخاص الذين يملكون علم الكتاب حتى
يعرفوا المسلمين بأن النبي ( ص ) مذكور في التوراة والإنجيل ،
ولعله الأقرب ، لأن الإمام ( عليه السلام ) كان مع النبي فكيف يستشهد
به وهم لا يقرون علمه ) . ( أنظر : جريدة فكر وثقافة الصادرة
عن حوزة المرتضى في دمشق العدد : 22 الصادر في تاريخ :
23 / 1 / 1996 ، والجريدة والحوزة تتبع له ) .
وما فعل ذلك إلا ليكمل مسعاه المتعلق بعقيدة أهل البيت
ومن جملته نفي الولاية التكوينية عن الأئمة ( عليهم السلام ) ، وواضح
أن المغالطة فيها صريحة جدا ، فعدد الروايات الصحيحة
الواردة عن أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) متواترة جدا كما سنذكر
ذلك بعد حين ، وقد كان يكفيه رواية واحدة صحيحة الند ،
فكيف والأمر يتعدى إلى الكثرة المتكاثرة وإلى إجماع علماء
الشيعة على ذلك ، أما موضوع الشهادة فلعمري كيف يشهد
هؤلاء وهم أنفسهم لم يؤمنوا برسول الله ( ص ) في وقت نعلم فيه
أن الكتاب الموجد لديهم كتاب محرف ، وكيف يشهدهم
رسول الله ( ص ) ويعرض نفسه للإحراج المل ، وهم قد كذبوا
عليه من قبل وكذبوا على أنفسهم وقومهم من قبل ، فما
بالهم إذا علموا أنه رسولا من الله لم يؤمنوا به ؟ ! ! ولقد أجاد
الفخر الرازي في تفسيره للآية حينما قال : إن إثبات النبوة
بالواحد والاثنين مع جواز الكذب على أمثالهم لكونهم غير
معصومين لا يجوز ، فلا معنى لتفسيرها بابن سلام وأصحابه ،
( تفسير الرازي 19 : 70 ) .
ولو كانت المسألة متعلقة بحاجة الرسول إلى من يشهد له
بأنه مذكور في الكتب السماوية السابقة ، فقد كان يكفيه بدلا
من هذه الشهادة التي تنطوي على المغامرة ، أن يأتي بهذه
الكتب ، ويستخرج المواضع التي ما زال ذكره فيها رغم وقوع
التحريف فيها ، ويشهد أهل الكتاب على ذلك ، وعندئذ فإن
الشهادة تكون أبلغ .
هذا رغم أن الرسول كما القرآن أكد أن كتب أهل الكتاب
باتت محرفة ، فكيف يعطي قيمة علمية وموضوعية إلى درجة
المراهنة بسمعته ومصداقية كلماته ورسالته لعالم بكتاب
محرف .
على أنه ما المغزى الذي يجعل الذين كفروا بحاجة إلى
شهادة علماء أهل الكتاب ، وموضعهم من حيث المصداقية
الاجتماعية هو نفس مصداقية الرسول إذا لم يكن الرسول
أفضل منهم لكونه كان معروفا بعدم الكذب ؟ .
وقد ناقشنا في كتابنا من عنده علم الكتاب ؟ كل التفاصيل
المتعلقة بهذا الشأن بما فيه الشبهات التي طرحها محمد
حسين فضل الله في هذا المجال .