كما هو الظاهر كان المراد توفيقه لما أريد منه ، ومساعدته على ذلك ، وأما ما ذكره بعضهم : أن المراد بالكلمات قوله تعالى :
قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
، إلى آخر الآيات فمعنى لا ينبغي الركون اليه إذ لم يعهد في القرآن إطلاق الكلمات على جمل الكلام .
قوله تعالى :
إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
، أي مقتدى يقتدى بك الناس ، ويتبعونك في أقوالك وأفعالك ، فالإمام هو الذي يقتدي ويأتم به الناس ، ولذلك ذكر عدة من المفسرين ، أن المراد به النبوة ، لأن النبي يقتدي به أمته في دينهم ، قال تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ ، إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ
( النساء / 63 ) ، لكنه في غاية السقوط .
اما أولا : فلأن قوله :
إِماماً
، مفعول ثان لعامله الذي هو قوله :
جاعِلُكَ
واسم الفاعل لا يعمل إذا كان بمعنى الماضي ، وانما يعمل إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال فقوله ،
إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
، وعد له عليه السّلام بالإمامة في ما سيأتي ، مع أنه وحي لا يكون إلّا مع نبوّة ، فقد كان عليه السّلام نبيا قبل تقلده الإمامة ، فليست الإمامة في الآية بمعنى النبوّة ( ذكره بعض المفسرين ) .
واما ثانيا : فلأنا بيّنا في صدر الكلام : أن قصة الإمامة ، إنما كانت في أواخر عهد إبراهيم عليه السّلام بعد مجيء البشارة له بإسحاق وإسماعيل ، وإنما جاءت الملائكة بالبشارة في مسيرهم إلى قوم لوط وإهلاكهم ، وقد كان إبراهيم حينئذ نبيا مرسلا ، فقد كان نبيا قبل أن يكون إماما ، فإمامته غير نبوّته .
ومنشأ هذا التفسير وما يشابهه الابتذال الطاري على معاني الألفاظ الواقعة في القرآن الشريف في أنظار الناس من تكرر الاستعمال بمرور الزمن ومن جملة تلك الألفاظ لفظ الإمامة ، ففسره قوم : بالنبوة والتقدم والمطاعية مطلقا ، وفسره آخرون بمعنى الخلافة أو الوصاية ، أو الرئاسة في أمور الدين والدنيا - وكل ذلك لم يكن - فإن النبوة معناها : تحمّل النبأ من جانب اللّه ، والرسالة معناها تحمل التبليغ ، والمطاعية والإطاعة قبول الإنسان ما يراه أو