قبال الخلق الذي هو وجه آخر من وجهي الأشياء ، فيه التغير والتدريج والانطباق على قوانين الحركة والزمان ، وليكن هذا عندك على إجماله حتى يأتيك تفصيله إنشاء اللّه العزيز .
وبالجملة فالامام هاد يهدي بأمر ملكوتي يصاحبه ، فالإمامة بحسب الباطن نحو ولاية للناس في أعمالهم ، وهدايتها إيصالها إياهم إلى المطلوب بأمر اللّه دون مجرد إراءة الطريق الذي هو شأن النبي والرسول وكل مؤمن يهدي إلى اللّه سبحانه بالنصح والموعظة الحسنة ، قال تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
( إبراهيم / 4 ) ، وقال تعالى : في مؤمن آل فرعون ،
وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ
( المؤمن / 38 ) ، وقال تعالى :
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
( التوبة / 122 ) ، وسيتضح لك هذا المعنى مزيد اتضاح .
ثم إنه تعالى بين سبب موهبة الإمامة بقوله :
لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ
الآية ؛ فبين ان الملاك في ذلك صبرهم في جنب اللّه - وقد أطلق الصبر - فهو في كل ما يبتلي ويمتحن به عبد في عبوديته ، وكونهم قبل ذلك موقنين ، وقد ذكر في جملة قصص إبراهيم عليه السّلام قوله
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
( الأنعام / 75 ) ، والآية كما ترى تعطي بظاهرها : أن إراءة الملكوت لإبراهيم كانت مقدمة لإفاضة اليقين عليه ، ويتبيّن به أنّ اليقين لا ينفك عن مشاهدة الملكوت كما هو ظاهر قوله تعالى :
كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ
( التكاثر / 6 ) ، وقوله تعالى :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ، كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
- إلى أن قال -
كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ، وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ
( المطففين / 21 ) ، وهذه الآيات تدل على أن المقربين هم الذين لا يحجبون عن ربهم بحجاب قلبيّ وهو المعصية والجهل والريب والشك ، فهم أهل اليقين باللّه ، وهم يشهدون عليين كما يشهدون الجحيم .