وبالجملة فالإمام يجب أن يكون إنسانا ذا يقين مكشوفا له عالم الملكوت - متحققا بكلمات من اللّه سبحانه - وقد مرّ أن الملكوت هو الأمر الذي هو الوجه الباطن من وجهي هذا العالم ، فقوله تعالى :
يَهْدُونَ بِأَمْرِنا *
، يدل دلالة واضحة على أن كل ما يتعلق به أمر الهداية - وهو القلوب والأعمال - فللإمام باطنه وحقيقته ، ووجهه الأمريّ حاضر عنده غير غائب عنه ، ومن المعلوم أن القلوب والأعمال كسائر الأشياء في كونها ذات وجهين ، فالإمام يحضر عنده ويلحق به أعمال العباد ، خيرها وشرّها ، وهو المهيمن على السبيلين جميعا ، سبيل السعادة وسبيل الشقاوة . وقال تعالى أيضا :
يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ
( الإسراء / 71 ) ، وسيجيء تفسيره بالإمام الحق دون كتاب الاعمال ، على ما يظن من ظاهرها ، فالإمام هو الذي يسوق الناس إلى اللّه سبحانه يوم تبلى السرائر ، كما أنه يسوقهم إليه في ظاهر هذه الحياة الدنيا وباطنها ، والآية مع ذلك تفيد أن الإمام لا يخلو عنه زمان من الأزمنة ، وعصر من الأعصار ، لمكان قوله تعالى :
كُلَّ أُناسٍ
، على ما سيجيء في تفسير الآية من تقريبه .
ثم إن هذا المعنى أعني الإمامة ، على شرافته وعظمته ، لا يقوم إلا بمن كان سعيد الذات بنفسه ، إذ الذي ربّما تلبّس ذاته بالظلم والشقاء ، فإنما سعادته بهداية من غيره ، وقد قال اللّه تعالى :
أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى
( يونس / 35 ) ، وقد قوبل في الآية بين الهادي إلى الحق وبين غير المهتدي إلا بغيره ، أعني المهتدي بغيره ، وهذه المقابلة تقتضي أن يكون الهادي إلى الحق مهتديا بنفسه ، أن المهتدي بغيره لا يكون هاديا إلى الحق البتة .
ويستنتج من هنا أمران : أحدهما : أن الإمام يجب أن يكون معصوما عن الضلال والمعصية ، والا كان غير مهتد بنفسه ، كما مرّ ، كما يدل عليه أيضا قوله تعالى :
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ ، وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ
( الأنبياء / 73 ) ، فأفعال الإمام خيرات يهتدي إليها لا بهداية من غيره بل باهتداء من نفسه