حقيقة صيغة الامر ، كما ستطلع عليه .
الثالث : كثرة ورود الامر في الأحاديث متعلقا بأشياء بعضها واجب
وبعضها مندوب ، من دون نصب قرينة في الكلام ، وهذا غير جائز لو لم يكن
حقيقة في القدر المشترك .
وكذا كثرة وروده متعلقا بالأمور الواجبة وكذا بالمندوبة ، من دون نصب
القرينة في الكلام .
لا يقال : على تقدير كون الصيغة حقيقة في القدر المشترك ، كيف يجوز
استعمالها في الواجب ( 1 ) أو الندب ، بدون القرينة ؟ ! إذ المجاز مما لابد له من
القرينة ؟ !
لأنا نقول : الصيغة ليست مستعملة إلا في الطلب ، وإنما يعرف كون
متعلقه ( 2 ) جائز الترك أو غير جائز الترك ، من موضع آخر ( 3 ) ، فليست إلا
مستعملة في معناها الحقيقي .
والقول باحتمال اقترانها بالقرينة حين الخطاب وخفائها علينا الآن ، مما
يأبى عنه الوجدان ، لبعد خفائها في هذه المواضع على كثرتها ، ولاشتراك
التكاليف بيننا وبينهم ( 4 ) .
هامش
( 1 ) كذا في النسخ ، والظاهر أنه : الوجوب .
( 2 ) كذا في أ ، وفي سائر النسخ : كون متعلق الصيغة .
( 3 ) في ط : مواضع اخر .
( 4 ) فان قلت : فالمنع من الترك والاذن فيه مراد للشارع ليكون داخلا فيما استعمل فيه الصيغة ،
فيكون استعمال الصيغة في جل المواضع مجازا .
قلت : المنع من الترك والاذن فيه ليسا من صفات الطلب ولا الفعل المطلوب حقيقة ، بل
من صفات الطالب ، وظاهر انه لا يختلف معنى الصيغة باختلاف صفات المتكلم بها ، بل
نقول : المنع من الترك مما لا ينفك عن حقيقة صيغة الامر ، غاية الأمر أن المنع في بعض المواضع
تنزيهي كما في المندوبات ، وفي البعض تحريمي غير كبيرة ، كما في الواجبات التي تركها من
الصغائر ، وفي البعض تحريمي كبيرة ، كما في ما تركه يوجب الكفر ك ( آمن به ) ونحوه .
فلو كان كون الصيغة للطلب يوجب مجازيتها في هذه المواضع ، كان كونها للايجاب أيضا
يوجب مجازيتها في أغلب مواضع الايجاب ، وهم ينكرونه .
فالحق ما عرفت من أن العقاب على ترك الفعل أو حرمان الثواب عليه ، أو الثواب على
الفعل ، ليسا مما يتعقل دخوله في معنى الصيغة ، فتأمل جدا . ( منه رحمه الله ) .