تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 595

مساهمون:

ص٥٩٥
الأنبياء من الهدى وأصول الدين ، والمراد بالقيمة المستقيمة على نهج الحق ، والمعنى ان محمدا ( ص ) لما جاء بالقرآن الذي فيه تبيان كل شيء أعرض عنه المشركون وأهل الكتاب ، ونكثوا العهد الذي كانوا قد أبرموه على أن يتحاكموا لدى النبي الموعود . ( وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ) . هذه البينة جاءت أهل الكتاب على ألسنة أنبيائهم ، فالمراد بها غير المراد بالبينة في الآية السابقة ، والمعنى ان أهل الكتاب تمادوا في الغي والضلال بإعراضهم عن دعوة محمد ( ص ) الذي جاءهم بالبينات تماما كما تمادوا في السفاهة والضلالة بعد أنبيائهم الذين جاؤوهم بالأدلة والحجج ، وذلك أن اليهود انقسموا إلى فرق بعد موسى ، وكذلك النصارى تفرقوا شيعا بعد عيسى ، وما كان هذا الاختلاف والانقسام عن جهل بالدين ، وإنما فرقتهم الأهواء والمنافع . وتقدم مثله في الآية 105 من سورة آل عمران ج 2 ص 127 والآية 17 من سورة الجاثية . ( وما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهً مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ وذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) . حنفاء جمع حنيف ، وهو من استقام على الحق مائلا عن كل باطل ، والمعنى ان أهل الكتاب تفرقوا في دينهم مع أن دين اللَّه واحد وواضح ، وهو الإخلاص للَّه وحده ، والاستقامة على الحق والهدى ، وإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وهذا دين الكتب السماوية المستقيمة على الصراط القويم ، فمن أين جاء تعدد الأديان والطوائف والمذاهب ؟ . قال الشيخ محمد عبده : « هذا ما نعاه اللَّه من حال أهل الكتاب ، فما نقول نحن في حالنا ؟ ألا ينعى كتابنا الشاهد علينا بسوء أعمالنا في افتراقنا في الدين بعد أن صرنا فيه شيعا ، وملأناه بدعا ومحدثات » . أنظر ج 1 ص 180 فقرة « أيضا المسلمون يكفر بعضهم بعضا » . ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ والْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ) . المراد بالكافرين هنا كل من جحد الحق الذي قام عليه الدليل ، سواء أجحده عنادا وبعد ان علم به ، أم لأنه يأبى البحث عن الحق والنظر إليه والى دليله ، وقد اتفق علماء المسلمين على أن حكم الجاهل المقصر في البحث عن الحق تماما كحكم العالم به التارك له عن قصد وعمد ، وليس من شك ان من أعرض