تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 501

مساهمون:

ص٥٠١
الحق والباطل ، وله وقت معين ولكن لا يعلمه إلا اللَّه ، وفي هذا الوقت يفنى العالم ، وتنتقل الخلائق الأحياء منهم والأموات إلى عالم آخر لا يشبه دنيانا في شيء ، عالم لا باطل فيه ولا فناء ، ولا عمل وادعاء . . لا شيء إلا النعيم لمن أحسن ، والجحيم لمن أساء ، ومن دلائله ما أشار إليه سبحانه بقوله : ( يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً ) . والصور بوق يكبر الصوت ، ولا ندري : هل أراد سبحانه هذا المعنى أو هو كناية عن بعث ما في القبور ؟ ومهما يكن فإن اللَّه سبحانه لم يكلفنا طلب هذا العلم ، ولا يتصل بحياتنا من قريب أو بعيد ( وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً ) . هذا كناية عن خراب العالم العلوي بما فيه حيث يضطرب نظام الكواكب ، ويذهب ما بينها من تماسك ، وقال الشيخ محمد عبده : « قد تكون السماء بالنسبة إلينا أبوابا في ذلك اليوم ندخل من أيها شئنا بإذن اللَّه » . ( وسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً ) أي شيئا كلا شيء كما قال سبحانه : « وبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا » - 6 الواقعة أي فتتت حتى صارت كالسويق الملتوت أو الغبار المنتشر . ( إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً لِلطَّاغِينَ مَآباً ) . بعد ان ذكر سبحانه الدلائل على قدرته - هدد المكذبين بنبوة محمد ( ص ) وبالبعث ، هددهم بأن جهنم لهم في الانتظار ، وهي مرجعهم الوحيد ومقرهم الأخير ( لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً ) مقيمين في جهنم مددا طوالا لا حد لها ولا نهاية إلا أن يشاء اللَّه ( لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً ولا شَراباً ) . وهل يجتمع البرد والماء مع النار ؟ ( إِلَّا حَمِيماً وغَسَّاقاً ) . هذا استثناء متصل لأن الحميم هو الماء المغلي على النار ، والغساق القيح والصديد اللذان يسيلان من الجسم المحروق بالنار ( جَزاءً وِفاقاً ) عذابا يوافق أعمالهم وسيئاتهم في الحياة الدنيا « وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها » . ( إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً ) . لقد أعمت الدنيا وترفها قلوبهم وعقولهم فكيف يرجون لقاء اللَّه ، ويرون آياته وبيناته ( وكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً ) . لا يخفى على اللَّه من عباده ما اقترفوه في ليل أو نهار حتى ما يختلج في نفوسهم ، ويمر بضمائرهم ( فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً ) . ليس لكم عند اللَّه إلا العذاب ، ولا تأملوا الا بمضاعفته وشدته .