تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 479

مساهمون:

ص٤٧٩
- إذن - يلتقي الإنسان مع الجماد لأنه كان ترابا ، واليه يؤول ، وأيضا كل منهما جسم يحس ويلمس ، وأيضا يلتقي مع النبات لأنه كان في بطن أمه كالنبات ينمو ويتحرك ، ولكنه لا يسمع ولا يبصر ، ويلتقي الإنسان مع الحيوان لأنه كان في طفولته يحس ويشعر ويسمع ويبصر ولكنه لا يعقل تماما كالحيوان ، ثم افترق عنه بالعقل والإدراك ، ومن هنا كان أهلا لتحمّل المسؤولية ، واستحقاق الثواب والعقاب من دون الحيوان . وهنا يأتي التساؤل : من الذي نقل الإنسان من المرحلة البائدة إلى الوجود الترابي الجامد ، ومنه إلى النباتي النامي المتحرك ، ثم إلى الحيواني السميع البصير ، ثم جعله إنسانا سويا بجسمه وعقله يخبر عن الماضي ويتنبأ بالمستقبل ، ويخلق الحضارات ، ويتحكم بكثير من الكائنات ، حتى بالحيوان السميع البصير ، ويسأل عما يفعل ، ولا يسأل غيره عن شيء ؟ وهل من تفسير لهذا وغيره مما لا يبلغه الإحصاء إلا التفسير بوجود خالق قادر أعجز الأوهام أن تدركه ، والألسنة أن تصفه ؟ . وبعد أن أشار سبحانه إلى مسؤولية الإنسان بقوله : « إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وإِمَّا كَفُوراً » بعد هذا ذكر ما أعد للكافرين : ( إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأَغْلالًا وسَعِيراً ) . السلاسل للأرجل ، والأغلال للأيدي ، والحريق للأجسام ( إِنَّ الأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً ) . تطلق الكأس على زجاجة الشراب ، وعلى الشراب نفسه ، وهذا المعنى هو المراد هنا . وقال كثير من المفسرين : ان لشراب أهل الجنة رائحة طيبة كرائحة الكافور ، ونقول نحن : ان المزج بالكافور حقيقة كما دل ظاهر الآية ، وإذا كان طعم الكافور في الدنيا كريها فليس من الضروري أن يكون في الجنة كذلك ، فخمرة الدنيا توجب الصداع والأوجاع ، وخمرة الجنة « لا فِيها غَوْلٌ ولا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ » - 47 الصافات . قال ابن عباس : كل ما ذكره اللَّه في القرآن مما في الجنة فليس منه في الدنيا إلا الاسم . ( عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً ) أي تجري حيث يشاؤن بدون آلة ، بل بمجرد المشيئة . . وتقدم العديد من الآيات التي وصفت ما أعده اللَّه