تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
فإذا أينعت الثمار وحان وقت قطافها تواطئوا فيما بينهم ، وأقسموا أن يجنوا ثمار البستان في الصباح الباكر على غفلة من الفقراء ، ودون ان يعلقوا جني الثمار على مشيئة اللَّه وإرادته . . وقد تواصوا بالشح وحرمان المحتاجين مما آتاهم اللَّه ومنّ به عليهم ذاهلين عن تدبير اللَّه وتقديره . . وفي نفس الليلة التي أرادوا قطف الثمار في صباحها سلَّط اللَّه على البستان آفة سماوية أفسدت الثمار عن آخرها ، أو استأصلت البستان من جذوره . ولما استيقظوا من نومهم وذهبوا إلى البستان للقطاف في الوقت الموعود هالهم ما حاق به من الهلاك ، وأخذ يلوم بعضهم بعضا ، ويقول كل لصاحبه : أنت السبب . . وكان منهم رجل رشيد قد حذرهم سوء العاقبة من قبل ، فلم يستمعوا له ، وبعد ان وقع المحذور قال لهم : نصحت لكم ، ولكن لا تحبّون الناصحين ، فتوبوا الآن إلى ربكم لعلكم تفلحون ، فتابوا إليه تعالى ، وسألوه العفو عما سلف ودعوه مخلصين أن يرحمهم ويمنّ عليهم بخير من بستانهم . والقصد من هذا المثل ان يتعظ به كل من أنعم اللَّه عليه بشيء من فضله وبخاصة أهل مكة ، ومنهم الأثيم الزنيم وإلا دارت عليهم دائرة السوء تماما كما حدث لأصحاب البستان . . ويقول الرواة : ان اللَّه سبحانه ابتلى أهل مكة بالجوع والقحط لأنهم كذبوا محمدا ( ص ) فدعا عليهم واستجاب اللَّه لدعائه ، ودام فيهم القحط سبع سنين حتى أكلوا العظام والجيف ، وقال الرواة أيضا انه تعالى أهلك أموال الزنيم الوليد بن المغيرة الذي كان ذا مال وبنين . هذا هو المعنى المراد من مجموع الآيات وما تهدف إليه ، وفيما يلي الشرح والكشف عن المعنى المتبادر من كل آية : ( إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ) . الهاء تعود إلى الجنة ، وهي في اللغة البستان ، ثم كثر استعمالها في جنة الخلد حتى أصبحت علما عليها بكثرة الاستعمال ، والمراد منها هنا البستان ، والمعنى ان أصحاب البستان حلفوا على أن يجنوا ثماره في الصباح الباكر على غفلة من الفقراء ( ولا يَسْتَثْنُونَ ) أي لم يقولوا : نجني الثمار صباحا إن شاء اللَّه ، وقال البعض : المعنى دون أن يستثنوا من ثمر البستان شيئا للمساكين . . وكل من المعنيين يجوز ، وأيضا يصح إرادتهما معا .