تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
قد امتنع عن شيء أحله اللَّه له لسبب من الأسباب ، وانه قد أسر بذلك إلى بعض أزواجه ، وأمرها بالكتمان ، ولكنها خالفت وأفشت ، فعاتب اللَّه سبحانه نبيه الكريم على امتناعه عما أحل اللَّه له ، وهدد أزواجه اللائي لا يستمعن إلى أمره . المعنى : ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ ) . الخطاب لرسول اللَّه ، والمراد بالتحريم هنا مجرد الامتناع والالتزام بالترك لتطييب خاطر من تحسن العشرة معه ، تماما كما لو ألزمت نفسك بترك الدخان إرضاء لزوجتك التي يؤذيها ذلك . . . فليس المراد بالتحريم هنا التحريم الشرعي . . مستحيل . . كيف وكتاب اللَّه الذي نزل على قلب محمد ( ص ) يقول : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ » - 90 المائدة . ويقول أيضا : « قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ » 58 يونس . وقيل : ان الشيء الذي حرمه النبي ( ص ) على نفسه هو العسل وانه قصد بذلك مرضاة زوجته حفصة حيث ساءها أن يشرب النبي ( ص ) العسل عند زوجته زينب بنت جحش ، فطيّب قلب حفصة بالامتناع عن شرب العسل . ( واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) . العفو والغفران من اللَّه سبحانه لا يستدعي وجود الذنب ، فكثيرا ما يكون تعبيرا عن ثوابه ورحمته ، وقد كان الأنبياء يطلبون من اللَّه الصفح والمغفرة ، ومثله : « عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ » - 43 التوبة . ( قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ ) . قيل : ان النبي ( ص ) كان قد حلف على ترك شيء أحله اللَّه له ، فأمره سبحانه أن يدع يمينه ويكفّر . . وفي رأينا - واللَّه أعلم - ان النبي ( ص ) لم يحلف ، ولكنه وعد بالترك ، ووعد المعصوم يجب الوفاء به على كل حال ، سواء أكان الموعود به مندوبا أم مباحا ، لأن وعده أقوى وأعظم من يمين غيره ومن ثم يصح ان يطلق اليمين على وعده . ( واللَّهُ مَوْلاكُمْ وهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) . اللَّه يتولى أمور النبي والمؤمنين ، وينصرهم على المتآمرين ، وهو اعلم بالحكمة والمصلحة التي على أساسها يشرع احكام اليمين وغيرها .
التفسير الكاشف — صفحة 362 | محمد جواد مغنية