تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
المعنى : بعد أن بيّن سبحانه منزلة المهاجرين بيّن منزلة الأنصار بقوله : 1 - ( والَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ والإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ ) . المراد بالدار هنا المدينة المنورة ، وتبوأوها أي سكنوها واستوطنوها ، والمعنى ان الأنصار ، وهم أهل المدينة آووا النبي ومن هاجر معه ، وقاموا بواجب الضيافة على أكمل وجه ، وأخلصوا للمهاجرين وواسوهم بأنفسهم بل وآثروهم عليها كما تأتي الإشارة ، ومن الآيات التي نزلت في فضل الأنصار قوله تعالى : « والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ » - 74 الأنفال . 2 - ( ولا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا ) . كان المهاجرون في بدء الأمر أفقر الناس في المدينة يلاقون فيها المشقة والجهد : ولولا الأنصار لهلكوا جوعا ، وكان النبي ( ص ) يعطي الصدقات للفقراء ولا يعطي منها الأغنياء والقادرين على الكسب ، ولذا كان يفضل المهاجرين على الأنصار في العطاء ، وربما خصهم بالغنيمة من دونهم ، وكان الأنصار يرضون عن ذلك ويرون انه الحق ، فسجل سبحانه لهم هذه المنقبة في كتابه العزيز . 3 - ( ويُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ) . والإيثار على النفس مع الحاجة لا يعادله شيء إلا التضحية بالنفس . وفي التفاسير وكتب الحديث : ان رسول اللَّه ( ص ) قال للأنصار عند تقسيم بعض الغنائم : ان شئتم أن تكون هذه الغنيمة بينكم وبين المهاجرين على أن تشاركوهم في أموالكم ، وان شئتم كانت لكم أموالكم ، ولهم هذه الغنيمة وحدهم . فقال الأنصار : بل نترك لهم الغنيمة ونقسم لهم من أموالنا يا رسول اللَّه . فدعا النبي ( ص ) لهم وقال : اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار ( ومَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) . الشح من أمهات الرذائل ، فمن استجاب له عاقه عن كل خير ، ومن تغلَّب عليه ونزّه نفسه عنه فقد وقاها من الأسواء والمخاطر . ( والَّذِينَ جاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ولإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإِيمانِ ) . الضمير في بعدهم يعود إلى المهاجرين والأنصار معا ، والمراد بالذين جاؤوا من بعدهم كل من سار بسيرتهم إلى يوم القيامة ، ولا وجه للتخصيص