تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١

كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ :

( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ) . وفي آية ثانية : « وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً » - 2 الفرقان . وفي ثالثة : « وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ » - 8 الرعد . وفي رابعة : « الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى » - 3 الأعلى . إلى كثير من الآيات التي تدل على أن ما من كائن إلا وهو على مقدار معين من العناصر والصفات لا تزيد ولا تنقص عما ينبغي أن تكون ، وان كل ما فيه قد رتب ترتيبا دقيقا ومحكما ، ووضع في المكان المناسب لوظيفته ومهمته . . . . وإذا بحثنا عن السبب الموجب لذلك فلا نجد أي سبب يقبله العقل إلا إرادة اللَّه التي هي وراء كل شيء . قال « كنت » : « ان الطبيعة كالعمل الفني ، واستدلالنا على مصدرها تماما كالاستدلال بالأثر الفني على مصدره » . وتسأل : ألا يجوز أن يكون هذا النظام من عمل الصدفة ؟ . الجواب : ان الصدفة كاسمها . . مستحيل أن تتكرر ، وتفسير الحوادث بها تهرّب من حكم العقل والواقع ، ولذا قال العلماء : لا يلجأ إلى الصدفة إلا عاجز . . هذا ، ولو صحت نظرية الصدفة لانهارت العلوم من الأساس لأن للعلم قواعد عامة ومطردة وإلا لم يكن علما ، على العكس من الصدفة التي لا تتعدى موضوعها الخاص ، وإلا لم تكن صدفة . . وإذا بطلت الصدفة بطل معها المذهب المادي القائل : ان المادة هي الأصل لكل شيء . . وأي عاقل يستسيغ القول بأن الكون وجد صدفة ، وكل ما فيه من قانون ونظام هو نتيجة الصدفة ، وان المادة خضعت للنظام بالصدفة . . وبهذا نجد تفسير قول الشاعر : وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد وقول من قال : « ليس بالإمكان أبدع مما كان » أي ان كل شيء قد وضع في المكان المناسب ولو حاد عنه قيد شعرة لاستبان فيه الخلل والنقص . ( وما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) . هذا كناية عن أن اللَّه سبحانه إذا أراد شيئا يوجد بالفعل وبمجرد أن يريد ، ولا يفتقر إلى زمان على الإطلاق ، لا كلمح بالبصر أو أقرب ، وانما ذكر سبحانه لمح البصر لمجرد التقريب . .
التفسير الكاشف — صفحة 201 | محمد جواد مغنية