تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
( فَلَمَّا أَسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ونادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) . لما مدّ إسماعيل عنقه للذبح وهوى عليه إبراهيم بسكينة مفوضا كل منهما أمره لمن له الأمر - جاء النداء من الآمر الأعلى : هذا تأويل رؤياك . . انه العزم والاقدام منك على الذبح إخلاصا للَّه ، والانقياد من إسماعيل لأمر اللَّه طيب النفس ، أما الذبح بالذات فما هو بمقصود . وتسأل : إذا كان الذبح غير مقصود فما هو الغرض من الأمر به ؟ الجواب : يرى البعض ان الغرض من ذلك ان يظهر اللَّه سبحانه للملأ والأجيال عظمة كل من إبراهيم وإسماعيل في تضحيته وإخلاصه للَّه ، فيكون موضع التقديس والتقدير إلى يوم يبعثون . وقال آخر : الغرض ان تبدل سارة غيرتها من هاجر أم إسماعيل ، وتكف قسوتها عن إبراهيم . . ونضيف نحن إلى هذين القولين ان اللَّه سبحانه أراد أيضا أن يضرب ذلك مثلا للمؤمن الحق وانه الذي يطيع اللَّه في كل شيء حتى في ذبح ولده وفلذة كبده ، ويومئ إلى هذا قوله تعالى : « إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ » أي ان هذا العزم على التضحية بالنفس والأهل امتثالا لأمر اللَّه هو وحده المحكّ للمؤمن حقا وواقعا ، والحد الفاصل بينه وبين من يخيل إليه انه من المؤمنين وما هو من الايمان في شيء . « وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ » . المراد بالذبح المذبوح . وقيل كان كبشا ، وقال آخر : بل كان وعلا . . وأيا كان الفداء فنحن غير مسؤولين عن معرفة نوعه ، ولا تتصل هذه المعرفة بحياتنا من قريب أو بعيد . وطريف قول من قال إنه كان كبشا أملح ، ورعى في الجنة أربعين عاما ، وان إبراهيم ( ع ) أعطى طحاله وأنثييه لإبليس . . وإذا رعى في الجنة أربعين عاما فكم يكون وزنه يا ترى ؟ « وتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ » . تقدم هذا النص في الآية 78 وما بعدها من هذه السورة نفسها . « وبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إِسْحاقَ » . هذه البشارة من اللَّه لإبراهيم بولد ثان انما هي جزاء على صبره وإقدامه على ذبح ولده طاعة للَّه . وفي قاموس الكتاب المقدس : ان سارة ولدت إسحاق ولها من العمر 90 سنة ، ولإبراهيم مائة سنة ، وان معنى إسحاق في العبرية يضحك . أما هاجر فقد ولدت
التفسير الكاشف — صفحة 350 | محمد جواد مغنية