على ما تجعلها أنت ، فإن هونتها تهونت ، وان شددتها تشددت ، وان لم تجعلها شيئا لم تكن شيئا . أي ان الطيرة لا شيء في ذاتها ، ولا أثر لها على الإنسان إطلاقا ، وإنما تؤثر على نفسه وأعصابه لأنه قد توهم انها تبصر وتؤثر تماما كالطفل نحال الشبح وحشا يفترسه .
والمعنى ان المكذبين قالوا للرسل : لقد تشاءمنا من دعوتكم ، ونحن نخاف ان تعود علينا بتفريق الكلمة ، وانقسامنا إلى فئتين معكم وعليكم ، فسكوتكم خير لنا ولكم وإلا أسكتناكم بالرجم وشدة العذاب ، فقال لهم الرسل : لا مصدر لهذا الخوف والتشاؤم إلا أنفسكم التي توسوس إليكم بأن دعوتنا شؤم وشر والشر بأنفسكم وفيما أنتم عليه من الشرك والجهل والفساد .
وجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى لم يشر سبحانه إلى اسم الرجل ومع هذا قال المفسرون أو أكثرهم : اسمه حبيب النجار ، وان بيته كان في أطراف المدينة ، وانه كان قد آمن باللَّه ، ولما سمع ان قومه يهمون بقتل الرسل أسرع إلى مناصرتهم والدفاع عنهم بلسانه . . ولا أدري من أين جاء المفسرون بهذا الاسم ؟
وقد بحثت عنه في فهرست الكتاب المقدس وقاموسه أيضا ، فلم أعثر على اسم حبيب . ونقله الطبري عن ابن عباس وكعب الأحبار ، وأيا كان فلا علاقة لنا باسم الرجل ، ولا يعنينا منه إلا بقدر ما تدل عليه الآيات ، وقد وصفته بالايمان والصلاح لأنه « قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وهُمْ مُهْتَدُونَ » .
نصح لقومه أن يقبلوا دعوة الرسل ، ولا ينكصوا عنها لأنها لخيرهم وصلاحهم ، والداعون للحق لا يطلبون أجرا ولا شكورا ، ولا علوا ولا فسادا في الأرض .
« وما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » . هذه حكاية لقول المؤمن الناصح ، ومعناه أي مانع يمنعني عن عبادة الذي أوجدني من العدم ، ثم يبعثنا جميعا بعد الموت للحساب والجزاء ؟ وفي هذا تعريض بقومه لتركهم عبادة الواحد الأحد ، وهو يمضي في هذا التقريع ويقول : « أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً ولا يُنْقِذُونِ إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ » .
كيف أعبد أصناما لا تضر ولا تنفع ، ولا تنقذ ولا تشفع . . لقد ضللت إذن ، وما أنا من المهتدين . . كلا « إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ » . لا يجابه بهذه الكلمة قوى الشر والفساد إلا من لا يبالي بالموت في سبيل الحق ونصرته . . وفي بعض
التفسير الكاشف — صفحة 306
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٣٠٦