تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
قسّمنا مراحل السفر بين القرية والقرية بحيث يصبح المسافر في واحدة منها ، ويمسي في أخرى . . والآية تصف قوم سبأ قبل خراب السد ، ومعناها ان من نعم اللَّه وفضله عليهم ان أحدهم كان إذا قصد سفرا يسافر وهو في أمن وأمان من كل شيء ، لا يخشى أحدا على نفسه وماله ، ولا يحمل زادا ، ولا يخاف جوعا ولا عطشا . ولكن غلبت عليهم شقوتهم ، وبطروا النعمة ، وملوا العافية « فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا » اجعل بيننا وبين القرى فلوات ومفاوز لنركب الرواحل ونحمل الزاد في الأسفار ، تماما كما فعل بنو إسرائيل حيث ملوا نعمة المن والسلوى ، وقالوا لموسى : فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وقِثَّائِها وفُومِها وعَدَسِها وبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ - 61 البقرة . « وظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ » بالطغيان وكفران النعم « فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ ومَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ » . شتتهم سبحانه ووزعهم في أقطار الأرض حتى صاروا أحدوثة للأجيال ، وعبرة لمن صبر على الضراء ، وشكر عند السراء . « ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ » . أغراهم الشيطان بمعصية اللَّه ، فسمع له وأطاع من كفر وبغى ، وعصاه من آمن واتقى . وتشير هذه الآية إلى قول إبليس في الآية 39 من سورة الحجر : ولأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ج 4 ص 478 . « إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ » ان اللَّه سبحانه أعلم بعباده من أنفسهم ، ولكنه يبتليهم بالسراء والضراء ، وبالشهوات والأهواء لتظهر إلى عالم الوجود والعيان مقاصدهم وأفعالهم التي يستحقون عليها الثواب والعقاب . وتكرر هذا المعنى مرات ومرات ، منها في الآية 140 من سورة آل عمران ج 2 ص 164 « ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ » . لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء . وفي الحديث : اتق اللَّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .