تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧

الاتجار بالدين والضمير

: « ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَها هُزُواً » . قال صاحب مجمع البيان : « أكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث الغناء . . وعن الإمام جعفر الصادق ( ع ) انه الطعن بالحق والاستهزاء به » . وهذا التفسير أقرب إلى الواقع ، وأليق بالسياق ، فإن اللَّه سبحانه بعد أن ذكر المؤمنين المفلحين ذكر المجرمين الذين يشترون الذمم من الذين يتاجرون بالدين والضمير ليضللوا الناس عن الحق ، ويصرفوهم عنه بالأوهام والأباطيل . . وأوضح مثال على ذلك ما تلجأ إليه قوى الشر والاستغلال في هذا العصر لتدعيم مكانتها وبث دعايتها ، حيث تنفق الملايين على الصحف المأجورة لتنشر الأكاذيب والافتراءات ، وتروّج للخونة والعملاء ، وتشكك بالمخلصين الأحرار ، وفوق هذا ان تلك الأجهزة الشريرة ألبست عملاءها ثياب أهل الدين ليلصقوا به البدع ويفسروه بما شاء لها البغي والاستغلال ، ويبثوا الفتن والشقاق بين الطوائف وأهل الأديان . . وبعد حرب الشرق الأوسط سنة 1967 شاهدنا ألوانا من الإشاعات الكاذبة والحرب النفسية في الصحف المأجورة ، أما نشاط الدخلاء فقد بلغ الغاية في الجرأة على اللَّه ورسوله . . ولكن الأيام كشفت الحقائق ، وفضحت الدخلاء والعملاء ، وأوان التصفية آت لا محالة « أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ » لأنهم باعوا دينهم للشيطان ، وتآمروا معه على الحق وأهله . « وإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ » . المؤمن المخلص يستمع للحق ، ويتصامم عن الباطل ، والخبيث المجرم صاحب الغايات والأهداف يصغي للباطل ، ويتصامم عن الحق . . ولا جزاء له إلا عذاب أليم ، قال الرازي : « العاقل يطلب الحكمة بأي ثمن ، وهم ما كانوا يطلبونها ، وإذا جاءتهم مجانا ما كانوا يسمعونها » « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ » . لمّا بيّن سبحانه جزاء من أعرض عن آياته وانه عذاب أليم بيّن جزاء من آمن وعمل بها وانه جنات النعيم « خالِدِينَ فِيها » ولهم ما يشتهون « وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا » لأنه واقع لا محالة « وهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » عزيز بقدرته التي لا تغلب ، حكيم بتدبيره الذي لا ينكره إلا جاهل أو مكابر .
التفسير الكاشف — صفحة 157 | محمد جواد مغنية