تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
الجواب : أجل ، ان هذا السؤال أو الإشكال محكم ، ولا مفر منه لو أريد بالآية العموم والشمول ، اما لو أريد بها واقع معين فلا يتجه الإشكال من الأساس ، وسياق الكلام الذي قبل الآية وبعدها يدل بوضوح على أن الضمير في ليعذبهم عائد إلى خصوص المنافقين الذين كانوا في عهد رسول اللَّه ( ص ) ، وبصورة أخص المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك ، وكانوا بضعة وثمانين رجلا - كما قيل - وفيهم من له الكثير من الأموال ، والعديد من الأولاد . . وكيلا يقول قائل : كيف يكون هؤلاء من القوم الفاسقين وقد أنعم اللَّه عليهم بالمال والبنين ، كيلا يقال هذا قال سبحانه : ( إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) . وقد عذب اللَّه أولئك المنافقين بأولادهم ، لأن أبناءهم اعتنقوا الإسلام وأخلصوا له على العكس من آبائهم ، ولا شيء أشد حسرة على الوالد من أن يكون ولده على غير دينه وعقيدته . . فلقد أسلم ابن عبد اللَّه بن أبي ، وعرض على النبي ( ص ) أن يقتل أباه عبد اللَّه كبير المنافقين فرفض النبي ( ص ) . وأيضا عذبهم اللَّه بأموالهم ، لأنهم كانوا على يقين انها ستئول من بعدهم إلى الذين هم على غير دينهم وطريقهم . . فالآية مختصة بالمنافقين الذين كانوا على عهد رسول اللَّه ( ص ) ولا تتعدى إلى غيرهم ، وبهذا يتبين انه لا وجه لما ذكره المفسرون من أن اللَّه عذبهم بالأموال لأنهم قد تعبوا في جمعها ، وعذبهم بالأولاد لأنهم يتألمون لمرضهم وفقدهم . . وبديهة ان هذا الألم ، وذاك التعب لا يختصان بالمنافقين ، بل يشملان كل ذي مال وأهل . ( وتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وهُمْ كافِرُونَ ) أي يموتون على الكفر ، فيعذبهم اللَّه بكفرهم في الآخرة ، كما عذبهم بأموالهم في الدنيا على النحو الذي ذكرنا . قال الطبرسي في مجمع البيان : ان إرادة اللَّه تعلقت بزهوق أنفسهم ، لا بكفرهم ، وهذا كما تقول : أريد أن اضربه ، وهو عاص ، فالإرادة تعلقت بالضرب ، لا بالعصيان . ( ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وما هُمْ مِنْكُمْ ) . وأية جدوى لهم في هذا الحلف ، وقد شهد اللَّه بأنهم أسلموا خوفا ، لا اقتناعا ( ولكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ) والفرق الخوف والرعب ، وقد امتلأت به قلوب المنافقين من قوة المسلمين ( لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وهُمْ يَجْمَحُونَ ) . أي يسرعون لا يرد