تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 452

مساهمون:

ص٤٥٢
وبكلام آخر ان دعاء النبي لا يعبر إلا عن حبه ورغبته ، وليس من شك ان الأنبياء يحبون ويرغبون في ايمان الناس جميعا وهدايتهم إلى الحق ، ومع ذلك قال اللَّه لسيد المرسلين الأعظم : « إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكِنَّ اللَّهً يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ - 56 القصص » . ولو تحقق كل ما يرغب فيه الأنبياء لما وجد على ظهرها كافر ولا مجرم ، ولما قاسى رسل اللَّه من الكفار والفجار ما قاسوه ، وبالخصوص سيدهم وخاتمهم الذي قال : ما أوذي نبي بمثل ما أوذيت . ( رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ ) . ضمير انهن يعود إلى الأصنام ، والمعنى ان كثيرا من الناس ضلوا بسبب عبادة الأصنام ، تماما كما تقول : المال أطغى فلانا أي انه طغى بسببه ( فَمَنْ تَبِعَنِي ) من ذريتي ( فَإِنَّهُ مِنِّي ) نسبا ودينا ( ومَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) . من عصى إبراهيم ( ع ) فهو بريء منه ، حتى ولو كان أقرب الناس إليه ، لأن من عصاه فقد عصى اللَّه ، ولكن إبراهيم حليم أوّاه كما وصفه الذي اختاره خليلا واصطفاه . ومن أجل ذلك لم يطلب العذاب للعصاة من ذريته وغير ذريته ، بل ترك أمرهم للَّه ومغفرته ورحمته . . ومن الواضح ان العقل لا يمنع من العفو عن المشركين ، لأن العذاب على الشرك حق للَّه ، ان شاء عذب ، وان شاء عفا ، ولا ضرر بالعفو على أحد . أما قوله تعالى : « إِنَّ اللَّهً لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ » فهو دليل سمعي ، ونحن نتكلم عن حكم العقل . أنظر تفسيرنا لهذه الآية في ج 7 ص 342 . ( رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ) . قال إبراهيم ( ع ) هذا حين ترك إسماعيل وأمه هاجر بمكة ، وهي واد مقفر لا ماء فيه ولا كلأ ، ولا شيء الا بيت اللَّه تقام فيه الصلوات ، وتردد التلبيات ، ولهذه الغاية أسكن إبراهيم بعض أهله وذريته في هذا المكان المقفر المجدب . . ولكن الإنسان لا يحيا بالصلاة وحدها ، بل لا بد له من الخبز أيضا ، ولذا قال إبراهيم : ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) . وإذا لم يكن عند بيت اللَّه زرع ولا ضرع فلتتوافد الناس عليه للعبادة أو التجارة ، ومعهم الخبز والفاكهة ، وعندها تأكل ذرية إبراهيم ويصلَّون ويشكرون . قال موسى ( ع ) : « رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ
التفسير الكاشف — صفحة 452 | محمد جواد مغنية