تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
في حقهم ، وراحوا يبحثون عن الشيء الذي سرقه يوسف ، فمن قائل : انه بيضة سرقها وأعطاها لجائع ، وقائل : بل دجاجة ، وقال ثالث : سرق صنما لجده أبي أمه وكسره ، وذهب رابع إلى أن عمته بنت اسحق كانت تحضنه صغيرا ، ولما شب أراد أبوه ان ينتزعه منها ، فاتهمته بسرقة منطقة أبيها اسحق - وهي ما يشد به الوسط - ليبقى عندها عبدا ، لأن عقوبة السارق كانت الاستعباد ، وعلى هذا أكثر المفسرين ، وغريب ان لا يتنبه واحد منهم إلى أن حكم الأطفال في جميع الشرائع غير حكم الكبار . . وأغرب منه قول بعض الصوفيين : ان أولاد يعقوب أرادوا بتهمة السرقة ان يوسف سرق منهم قلب أبيهم . ( فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ ) . تجاهل مقالتهم حلما وكرما ، كما قال الشاعر : ولقد أمر على اللئيم يسبني * فأعف ثم أقول لا يعنيني ( قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً ) . قال هذا في سره بدليل قوله تعالى : « ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ » . ( واللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ ) من نسبة السرقة إليّ والى أخي ، وانها محض افتراء . ( قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) . بعد ان أصبحوا تجاه الأمر الواقع ، وان العدل عندهم يقضي باسترقاق أخيهم بنيامين التجأوا إلى التماس الرحمة بالعفو والصفح ، أو أخذ الفداء والبدل ، وان يختار العزيز واحدا منهم ، وهم عشرة بين يديه ، طلبوا هذا وألحوا في الطلب ، وتشفعوا إليه ببره وصلاحه ، وبشيخوخة أبيهم ، وعظيم منزلته وقدرته ، وبضعفه وشغفه بولده بنيامين ، فعلوا هذا وأكثر منه لا حبا بأخيهم ، بل تخلصا من أبيهم ومسؤولية العهد الذي أخذه عليهم . ( قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ ) . رفض يوسف طلبهم ورجاءهم ، وأصر على أخذ أخيه لأمر أراد اللَّه ان يتمه بعد الامتحان والبلوى . . وتجدر الإشارة إلى أن يوسف عبّر أدق تعبير وأحكمه عن براءة أخيه من السرقة في قوله : « من وجدنا متاعنا عنده » حيث فهم منه أخوة يوسف من سرق متاعنا ، والمقصود منه من استخرجنا متاعنا من وعائه ، والفرق بعيد بينهما .