تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
لحكمة اقتضت ذلك ، وهي في نفس الوقت لا تخالف أصلا من أصول الشريعة ، كتحليل الحرام ، أو تحريم الحلال . . هذا ، إلى أن احتيال أولاد يعقوب على أبيهم لانتزاع ولده يوسف منه ، والغدر به ، وإلقاءه في الجب بقصد القتل في أبشع صورة ، ان هذا سرقة وزيادة . سؤال ثان : كيف استباح يوسف أن يحول بين أخيه وأبيه ، ويزيده كربا على كربه ؟ . الجواب : ان كل ما فعله يوسف كان لمصلحة أخيه وأبيه ، وهو على يقين بأن أباه يقره ، بل ويشكره عليه متى اطلع على الحقيقة . . وقد حدث ذلك بالفعل . وبديهة ان الأمور تقاس بعواقبها لا بأسلوبها ، وفي سائر الأحوال فإن الأنبياء لا يتهمون في جانب الحق . ( قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ ) . ضمير قالوا يعود إلى غلمان يوسف ، وضمير جزاؤه إلى السارق ، والخطاب في كنتم لأولاد يعقوب ، والغرض من هذا السؤال انتزاع الاعتراف منهم بأن السارق يؤخذ عبدا أو أسيرا جزاء على فعله . . ليكون هذا الاعتراف حجة عليهم إذا أخذ يوسف أخاه ، وضمه إليه . ( قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ) . فهو جزاؤه زيادة في الإيضاح ، تماما كما تقول : جزاء القاتل القتل فهو جزاؤه . . أجاب إخوة يوسف : من وجدتم الصاع في وعائه فخذوه أسيرا أو عبدا ، وهذا هو شرعنا في عقوبة السارقين ، ونحن على يقين من براءتنا ، وطهارة اعراقنا . ( فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ ) . بدأ المفتش بأوعيتهم تغطية للحيلة ، حتى إذا انتهى إلى وعاء بنيامين استخرج المكيال منه ، وأشهره في وجوههم . وصعق أبناء يعقوب لهذه المفاجأة العنيفة . . ولكن أين هذه مما قاساه يوسف في ظلمات الجب وحيدا فريدا ؟ . ( كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ) . أي أوحينا إليه بهذا التدبير ليقول إخوته من تلقائهم : ان للعزيز ان يأخذ أخاهم أسيرا أو عبدا ، وسمى هذا كيدا لأن ظاهره غير واقعه ، وجاز شرعا لأنه لا يحلل حراما ، ولا يحرم حلالا . ( ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ ) المراد بالملك ملك مصر ، وبدينه شرعه وقضاؤه ، والمعنى لولا هذا
التفسير الكاشف — صفحة 342 | محمد جواد مغنية