تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
سببه الأول ، وخالق الكون بما فيه . ولا بد من الإشارة إلى أن القرآن ينظر إلى الإنسان من خلال عقيدته وسلوكه ، بماذا يؤمن ؟ وما ذا يعمل ؟ . وهذه النظرة نتيجة لازمة لطبيعة القرآن من حيث إنه كتاب دين وهداية . وعلى هذا الأساس يحكم على الإنسان بأنه صالح أو طالح طيب أو خبيث . ومعلوم ان العقيدة التي دعا إليها هي الايمان باللَّه ورسله واليوم الآخر ، وان العمل الذي أمر به هو العمل الصالح : « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ - 7 البينة » . . وبكلمة ان الإسلام يوجه الإنسان إلى الغاية التي يجب أن يكرس حياته من أجلها ، فإن انحرف عنها نعته القرآن بأقبح الأوصاف كالظالم والخاسر والكافر والجاهل والطاغي والكنود ، وما إلى ذلك من الرذائل . ان هذه الأوصاف ليست تحديدا لطبيعة الإنسان وماهيته ، وانما هي تفسير لسلوكه في بعض مواقفه ، ويدلنا على ذلك ان كل صفة ذكرها القرآن مقرونة بحادثة من الحوادث ، فلقد وصف الإنسان باليأس إذا نزلت به نازلة ، وبالفرح والبطر إذا استغنى ، وبالجزع والهلع إذا مسه الضر ، ونحو ذلك . وقد خفيت هذه الحقيقة على كثيرين ، وظنوا ان هذه الأوصاف وردت في القرآن تحديدا لحقيقة الإنسان وماهيته وأخذوا ينعتونه بها في غير المناسبات التي جاءت في كتاب اللَّه . . ولو صدق ظنهم لما جاز أن يؤاخذ اللَّه على الكفر والطغيان ، وكان قوله : ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ) تكريما للكفر والظلم . . تعالى اللَّه عن ذلك علوا كبيرا . وعلى هذا يكون المراد بالإنسان في قوله : ( ولَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسانَ ) من لا يؤمن باللَّه ، أو آمن به نظريا لا عمليا ، لأن من آمن به حقا فإنه يتوكل عليه وحده في جميع حالاته ، ويشكره في السراء والضراء ، ويخشى ويتواضع إذا استغنى ، ويصبر ويرجو إذا افتقر ، فإن الايمان نصفان : نصف خوف ، ونصف رجاء . والذي يؤكد ان المراد بالإنسان من ذكرنا ، وليس مطلق الإنسان قوله تعالى بلا فاصل : ( إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأَجْرٌ كَبِيرٌ ) .