تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
بالخير هنا ما ينتفع به الإنسان في هذه الحياة ، ومن أجل هذا يستعجل به ، ولا يصبر عنه ، والمراد بالشر ما يتضرر به ، وهو يأباه ويكرهه بفطرته الا لسبب عارض كدرء ما هو أشد ، قال الشاعر : تحملت بعض الشر خوف جميعه * كذلك بعض الشر أهون من بعض أو يكون الإنسان في حال غير طبيعية كمن يقدم على الانتحار ، أو في حال عناد يواجه خصما عجز عن مقاومة حجته بحجة مثلها ، كما عجز المشركون عن الرد على محمد ( ص ) حين أظهر اللَّه على يده ما أظهر من المعجزات ، وقالوا : اللهم ان كان ما يقوله محمد حقا فأمطر علينا حجارة من السماء ، أو ائتنا بعذاب أليم . . وقد أجاب سبحانه كل من يستعجل الشر ونزول العذاب من السماء ، أجابه بأن الحكمة تقتضي أن لا يستجيب اللَّه إلى طلبه ، وأن يستبقيه إلى حين ، فربما زال العارض الذي تمنّى معه الشر ، وتحقق بعده الخير ، كما حصل من كثير من الذين قالوا : اللهم أمطر علينا حجارة من السماء ، فقد أسلم منهم جماعة ، وخرج من صلب آخرين كثير من المؤمنين ، ولو عجل اللَّه بأجلهم لما حصل شيء من ذلك . والخلاصة انهم استعجلوا وقوع الشر ، تماما كما يستعجلون الخير ، ولكن اللَّه سبحانه أخرهم إلى ما أراده لهم من الخير . ( فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) . أي انه تعالى لا يعجل العذاب لمن لا يوقنون بالبعث ممن كفر بنبوة محمد ( ص ) ، بل يتركهم وشأنهم ، حتى لو تمردوا على أمره سبحانه ، وترددوا في الطغيان والعصيان . ( وإِذا مَسَّ الإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً ) . لجنبه وقاعدا وقائما كناية عن خضوعه وتضرعه في جميع حالاته وحركاته وسكناته ، والمعنى لو نزل أدنى مكروه بمن استعجل الشر لفقد الصبر ، وانهارت أعصابه ، ولجأ إلينا خاضعا متذللا في جميع أحواله لنكشف عنه الضر ( فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ ) . ان الأوضاع الفاسدة قد تضطر الإنسان إلى الكذب والرباء والتملق لمن حاجته في يده ، ولكن ما الذي يضطره إلى العقوق ونكران