تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
بها عصمة النبي ( ص ) عن الذنوب ، وطاعة من تابعه في ساعة العسرة . ( مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ) تخلَّف عن النبي من تخلف ، وتبعه المؤمنون من المهاجرين والأنصار ، ولكن جماعة من هؤلاء عندما قاسوا الشدة والقسوة في سفرهم انهارت أعصابهم ، وهمّوا أن يفارقوا الرسول ( ص ) ، ولكن اللَّه سبحانه ثبتهم وعصمهم ، فصبروا واحتسبوا ( ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ ) مما كانوا قد همّوا به من مفارقة النبي ( ص ) . والمراد بالتوبة هنا ان اللَّه سبحانه يعاملهم معاملة من لم يهم بالذنب ، لأن من همّ بالسيئة ولم يفعلها فلا تكتب عليه ( إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ) لأنه علم منهم الصدق في ايمانهم ، والإخلاص في نياتهم ، وان ما همّوا به كان مجرد عارض لم يترك أي أثر . ( وعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ 9 ) اتفق المفسرون والرواة على أن ثلاثة من مؤمني الأنصار تخلفوا عن النبي في غزوة تبوك كسلا وتهاونا ، لا نفاقا وعنادا ، وهم كعب بن مالك الشاعر ، ومروان بن الربيع ، وهلال بن أمية الواقفي . . ونترك الحديث عن هؤلاء لطه حسين ، فقد لخص ما اتفق عليه الجميع ودلت عليه الآية بأسلوبه المعروف ، قال في كتاب « مرآة الإسلام » : « كان هؤلاء الثلاثة أشد ايمانا باللَّه ورسوله ، وأصدق حبا لهما من أن يضيفا إلى تخلفهم خطيئة الكذب ، فآثروا الصدق وفاء لدينهم ، وإشفاقا ان يفضح اللَّه كذبهم ، فاعترفوا بذنوبهم ، وسمع النبي منهم ، وأعلن انهم قد صدقوه ، ومع ذلك لم يعف عنهم ، وأمر المؤمنين ان لا يكلموهم . وينظر هؤلاء فإذا هم قد اقتطعوا من الناس اقتطاعا ، وإذا هم في عزلة بغيضة إلى أنفسهم كان السجن أهون منها . . وفي ذات يوم أرسل النبي إليهم من يبلغهم انه يأمرهم ان يعتزلوا نساءهم ، وليس في هذا شيء من الغرابة ، فنساؤهم مؤمنات ، وقد صدر الأمر إلى المؤمنين باعتزالهم ، فليعتزلهم نساؤهم أيضا ، وبعد ان مضت عليهم خمسون ليلة في هذه العزلة ، وقد أخذ الندم من قلوبهم أقوى مأخذ أنزل اللَّه توبته عليهم ، وابتهج المؤمنون كلهم لذلك ، فكانوا يهنئون هؤلاء الثلاثة بتوبة اللَّه عليهم . وقد فرح كعب ، وهو أحد الثلاثة فرحا شديدا ، وهمّ ان يتصدق بماله كله ، فأمره