تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
وتقل فيه الحيلة ؟ . فما يصنع ؟ . هل يرجع وحده إلى بني إسرائيل ؟ . وبماذا يجيبهم إذا سألوه عن رجالهم ؟ . لا ملجأ أبدا من اللَّه إلا إليه ، فتضرع إلى اللَّه أن يكشف عنه ما هو فيه ، وتمنى لو أهلكه معهم من قبل أن يأتي بهم إلى هذا المكان . . ثم قال مخاطبا العلي الأعلى : « أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا » أي انك أجل وأعظم من أن تفعل ذلك ، لأنك حليم كريم . « إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وتَهْدِي مَنْ تَشاءُ » . للفتنة معان ، منها الإضلال والإفساد ، ومنه يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ - 26 الأعراف . ويقال : هذا مفتن أي مفسد . ومن معاني الفتنة القتال ، يقال : افتتن القوم أي تحاربوا وتقاتلوا . ومنها الابتلاء والاختبار وكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ . وتستعمل الفتنة كثيرا في العذاب ، ومنه الآية 25 من الأنفال : واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهً شَدِيدُ الْعِقابِ . وهذا المعنى أي العذاب هو المراد من الفتنة في قوله : « إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ » وضمير هي يعود إلى الرجفة التي تقدم ذكرها صراحة ، ومعنى « تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ » ان اللَّه يصيب بالرجفة التي هي العذاب من يشاء من عباده ، ومعنى « وتَهْدِي مَنْ تَشاءُ » انه تعالى يصرف الرجفة عمن يشاء . والمعنى الجملي ان اللَّه سبحانه ينزل العذاب بمن يشاء ممن يستحقه ، ويصرفه عمن يشاء ممن لا يستحقه . . وبهذا يتبين معنا ان قوله : « إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ » يرتبط معناه بما تقدم عليه ، وتأخر عنه من السياق ، وانه لا يجوز الاستدلال به على أن الإضلال من اللَّه ، وكيف يضل اللَّه الإنسان ، ثم يعاقبه على الضلال ؟ . وما اللَّه يريد ظلما للعباد . . ان الشيطان هو العدو المضل ، وكفى بربك هاديا ونصيرا ( 1 ) . « أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ واكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ » . ولا ترجمان لهذه المناجاة أفضل من قول سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي ( ع ) حين أحاط به الألوف من كل جانب ، وهو وحيد فريد فلاذ إلى ربه ، وعاذ به من أعدائه قائلا :
هامش
( 1 ) . راجع فصل الهدى والضلال ج 1 ص 70 من هذا التفسير الآية 26 سورة البقرة .