وطرده من رحمة اللَّه ، فدلف إلى الجنة ، وجدّ في استمالة آدم وزوجه ، فافتتنا بزخرف قوله وزلا باغوائه ، وكان عليهما لباس يواري عورتهما لا يرانها من أنفسهما ، ولا أحدهما من الآخر . . ولما أكلا من ثمر الشجرة تهافت اللباس عنهما وظهرت العورة منهما ، فبادرا إلى سترها بورق الجنة .
فناداهما الجليل معاتبا ومؤنبا على اغفال نصيحته ، ونسيان تحذيره من إبليس ، فتضرعا إليه بالاعتراف والندم ، وطلبا الرحمة والمغفرة ، فرحم وغفر ، ولكنه طردهما من نعيم ما كانا فيه ، وأسكنهما هذه الأرض التي جعل فيها طريقين :
هدى وضلالا ، ووعد من اتبع هداه بالجنة ، وتوعد من ضل بالنار ، وأنبأ آدم وذريته بأن العداوة بينهم وبين إبليس ستظل قائمة إلى آخر يوم ، وحذرهم من فتنته وغوايته .
هذا تلخيص ما في القرآن لقصة آدم وزوجه ، والناس فيها على قولين :
بين جاحدين بالوحي ، وبين مؤمنين به ، وهؤلاء على فئتين : فئة تجاوزت ظاهر النص القرآني ، واعتمدت الإسرائيليات في تفسير جنة آدم وغيرها ، وان هذه الجنة كانت في الدنيا ، وتسمى جنة عدن ، وان الشجرة التي أكل منها آدم وحواء هي شجرة الحنطة ، وانهما سترا سوءاتهما بورق التين ، وان إبليس دخل الجنة ، وهو في جوف حية ، إلى غير ذلك مما لا حديث فيه ، ولا وحي . .
وفئة شطحت إلى ما وراء الحس ، وفسرت الشجرة بالامتحان ، والشيطان بالشهوة ، والسوءة بالرذيلة ، إلى غير ذلك من فراسة الصوفية وأذواقهم .
ونحن نقف موقفا وسطا بين الفئتين ، فنؤمن اجمالا بما أوحى به ظاهر النص من أن الشجرة والسوءة والورق ، كل ذلك كان من الكائنات الحسية ، لأنها هي المدلول الحقيقي للَّفظ ، ولا موجب للتأويل ، ما دام العقل يتقبل المعنى الظاهر ، ولا يرفضه . . ولا نتحدث عن حقيقة جنة آدم ، وانها كانت في هذه الدنيا أو في غيرها ، ولا عن نوع الورق الذي ستر به آدم وحواء عورتيهما ولا عن شخص الشجرة ، ولا كيف دلف إبليس إلى الجنة ، لأن هذه التفاصيل من علم الغيب ، ولم ينزل بها وحي والعقل يعجز عن إدراكها . . وعن الإمام أحمد أنه قال : ثلاثة ليس لها أصل : التفسير والملاحم والمغازي يريد
التفسير الكاشف — صفحة 314
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٣١٤