تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
« فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ولَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ » . بعد أن أشار إلى إهلاكهم في الدنيا أشار إلى أنهم يسألون في الآخرة ، ويسأل المرسلون إليهم ، ويشهدون عليهم « فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنَّا غائِبِينَ » ولا يكتفي جل شأنه بسؤالهم وسؤال المرسلين إليهم ، بل هو أيضا يتلو عليهم كل شيء قالوه وفعلوه : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ - 6 المجادلة . والقصد من ذلك ان تشتد بهم المحنة ، ويشعروا بنقمة اللَّه وغضبه عليهم جزاء على عصيانهم وتمردهم . ميزان الأعمال : « والْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ » . كثر الكلام حول حقيقة الميزان الذي يزن اللَّه فيه أعمال الناس ، حتى أن بعضهم قال : ان لهذا الميزان لسانا وكفتين . . والذي نفهمه من هذا الميزان - واللَّه أعلم بمراده - انه المقياس الذي يميز الطائع من العاصي ، والخبيث من الطيب ، وهذا المقياس هو أمر اللَّه ونهيه ، فإذا جاء أوان الحساب ينظر إلى ما فعل الإنسان وما ترك ، ويقارن بينهما وبين أمره ونهيه تعالى ، فإذا انطبق فعله وتركه على أمر اللَّه ونهيه فهو من الذين ثقلت موازينهم ، وكان عند اللَّه من المفلحين والراجحين ، وإلا فهو من الذين ثقلت موازينهم ، وكان من الظالمين الخاسرين أنفسهم بعذاب الحريق . وبتعبير ثان : ان لكل شيء في هذه الحياة أصولا ، وضوابط علما كان أو أدبا أو فنا أو غير ذلك ، وبها يتميز الشيء عن غيره ، بل ويعرف جيده من رديئه ، وتسمى تلك الأصول والضوابط ميزانا ومقياسا ومنهاجا وحكما ، وكذلك الحساب في الآخرة له أصول وضوابط ، أو أطلق القرآن عليها كلمة الميزان ، وكلمة الصراط ، وهذه الأصول والضوابط ، أو الميزان لأعمال الناس وأهدافهم هو أمر اللَّه ونهيه ، فشأنهما في محاكمة الإنسان غدا كشأن الفقه والقانون في محاكمة المدعى عليه في هذه الحياة . « فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ » وهم الذين محصت أعمالهم على أساس أوامر القرآن ونواهيه فجاءت كاملة وافية « فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » لأنهم لم يعثروا في الامتحان