تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
إِنَّ اللَّهً وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ ووَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أَنْفُسَكُمْ - 22 إبراهيم » . وفي الآية التي نحن بصددها حكى سبحانه ادعاء المشركين ان شركهم وشرك آبائهم ، وتحريم ما حرموا من الحرث والانعام إنما كان بمشيئة اللَّه وأمره ، ولو شاء أن لا يشركوا لمنعهم عن الشرك « كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا » أي لقد كذّب مشركو العرب بمحمد ( ص ) الذي نهاهم عن الشرك والافتراء على اللَّه ، تماما كما كذّب من كان قبلهم بأنبياء اللَّه ورسله ، ولم يصدقوهم إلا بعد أن نزل بهم العذاب جزاء على تكذيبهم . وبعد أن حكى سبحانه ادعاء المشركين وانه في الكذب كادعاء أسلافهم أمر رسوله ان يرد عليهم بسؤال يخرسهم ، ويبطل ادعاءهم ، وهو « قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا » المراد بالعلم هنا الدليل ، وهو من باب اطلاق المسبب على السبب ، لأن الدليل سبب لحصول العلم ، والقصد من هذا السؤال اظهار عجزهم وكذبهم ، لأن معناه لقد زعمتم أيها المشركون ان الشرك كان برضا من اللَّه ، فمن الذي قال هذا ؟ . ومن أين علمتم بمشيئته تعالى ؟ . انها من غيبه ، ولا يطلع على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ، والرسول لم يقل هذا لكم ولا لغيركم - إذن - كيف تحيلونه على اللَّه جل ذكره ؟ . « إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ » . ونحن لا نشك أبدا بأن أكابر المجرمين يعلمون انهم يخرصون ويكذبون فيما قالوا ، وانما قالوا عنادا للحق الذي يزهق أباطيلهم ، ويقضي على أغراضهم ومكاسبهم العدوانية . « قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ » بيّن سبحانه في الآية السابقة ان المشركين لا حجة لهم على ما يدعون سوى الظن والتخرص ، وفي هذه الآية بيّن ان الحجة القاطعة هي للَّه وحده عليهم وعلى غيرهم ، ومعنى بالغة انها قد بلغت من القوة ما تقطع بها كل عذر « فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ » . في المجلد الأول ص 72 ذكرنا ان للَّه إرادتين : إرادة الخلق والتكوين ، وهي عبارة عن قوله : كُنْ فَيَكُونُ وإرادة الطلب والتشريع ، وهي عبارة عن أمره ونهيه ، وانه سبحانه يخلق الكون بإرادته التكوينية ولا يتدخل - ان صح التعبير - بهذه الإرادة في شؤون الناس