تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
المعنى : لقد كثر الكلام حول المائدة وطلابها : هل كانوا مؤمنين أو مشككين ؟ وهل نزلت المائدة بالفعل ، أو انها لم تنزل ، لأن الحواريين عدلوا عن طلبها بعد أن هددهم اللَّه بقوله : « فمن كفر منكم فاني معذبه عذابا لا أعذبه أحدا » . ومع افتراض نزولها فعلى أية حال نزلت ؟ وما هي أصنافها وألوانها ؟ ثم هل مسخوا بعدها قردة وخنازير ، لأن بعضهم سرق منها ؟ . . إلى غير ذلك من القول على اللَّه من غير علم . ونقف نحن في حديثنا عن هذه الآيات الأربع عند مدلول كلماتها وما يتصل به . الآية الأولى : ( إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا اللَّه إن كنتم مؤمنين ) . وتومئ هذه الآية إلى أن الحواريين ما كانوا مؤمنين بعيسى عندما طلبوا منه هذه المائدة ، لأنهم في غنى عنها مع التصديق والتسليم ، والذي يؤكد ذلك قولهم : ( هل يستطيع ربك ) فإنه يشعر بالتشكيك في قدرة اللَّه . . مع أن الآية السابقة قد شهدت لهم بالايمان ( وإذ أوحيت إلى الحواريين ان آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا ) . . هذا ، إلى أن لفظ الحواريين يدل بنفسه على إيمانهم بعيسى وإخلاصهم له ، فما هو وجه الجمع بين الآيتين ؟ وأجاب كثير من المفسرين بأن سؤالهم هذا لا يتنافى مع إيمانهم ، لأن القصد منه الايمان عن طريق الحس والعيان بعد الايمان عن طريق العقل والبرهان ، وبكلمة القصد تقوية الايمان وتثبيته ، تماما كما قال إبراهيم الخليل ( ع ) : « ولكن ليطمئن قلبي » . . وقد أفصح الحواريون عن هذا القصد بدلالة قوله في الآية الثانية : « وتطمئن قلوبنا » جوابا على قول عيسى لهم : « اتقوا اللَّه إن كنتم مؤمنين » . أما قولهم : « هل يستطيع ربك » فمعناه هل يستجيب ربك إن سألته أن ينزل علينا مائدة السماء . الآية الثانية : ( قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين ) . يريدون أن يأكلوا ليؤمنوا ويعلموا ، أو يريدون أن يأكلوا ليقوى ويرسخ الايمان في قلوبهم ، والعلم في عقولهم ، كما قدمنا ، ثم