تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
صنع اللَّه تعالى ، لأنه هو خالق الطبيعة وما فيها . وبديهة ان قوانين الطبيعة تأبى أن تمطر السماء مالا وصحة وعلما ، وإنما تأتي هذه وأمثالها من طرقها وأسبابها الطبيعية . . فالعلم من التعلم ، والصحة من الغذاء والوقاية ، والمال من العمل ، فمن تعلم علم ، ومن اتقى أسباب الداء سلم ، ومن انتحر مات ، ومن زرع حصد ، سواء أكان طيبا أم خبيثا ، مؤمنا أم كافرا ، فالطيبة أو الايمان لا ينبت قمحا ، ولا يشفي داء ، ولا يجعل الجاهل عالما . . كل هذه وما أشبه تجري على سنن الطبيعة ، وسنن الطبيعة تجري على مشيئة اللَّه ، ما في ذلك ريب ، لأنه هو الذي جعل التعلم سببا للعلم ، والوقاية سببا من أسباب الصحة ، والزراعة سببا للحصاد . . انه خالق كل شيء ، واليه ينتهي كل شيء . أجل ، ان لكسب المال سبلا وأبوابا كثيرة ، وقد أحل اللَّه بعضا ، وحرم بعضا ، أحل اللَّه سبحانه التجارة والزراعة والصناعة ، وحرّم الربا والغش والرشوة والسلب والنهب والاحتكار والاتجار بالمبادئ فمن يكسب المال من حله ينسب كسبه إليه ، لأنه قد جد واجتهد في طلبه ، وأيضا ينسب إلى اللَّه ، لأنه هو الذي أوجد هذه الأسباب ، وأباحها لكل راغب طيبا كان أو خبيثا ، أما من يكسب المال من غير حله كالربا والسلب فان كسبه ينسب إلى كاسبه ، وإلى الأوضاع التي مهدت له ، ولا ينسب إلى اللَّه ، لأنه تعالى قد حرّم هذه السبل على الطيب والخبيث . وتقول : هذا صحيح ، ولكنه لا يجيب عن السؤال ، ولا يحل المشكلة . . فلقد رأينا كلا من الطيب والخبيث يسلك الطريق المشروع للرزق ، ويطلبه من السبيل الذي أحله اللَّه ، وأمر به ، ومع ذلك يتسع الرزق على الخبيث ، ويضيق على الطيب ، وربما بذل هذا من الجهد أضعاف ما بذله ذاك ، بل قد يأتي الرزق للخبيث من حيث لا يتوقعه ، ولا يؤهله له استعداده وجهاده . . ويمتنع عن الطيب من حيث يتوقعه ، ويؤهله له جهاده واستعداده . الجواب : إن بعض الناس يلجئون في تفسير ذلك إلى الصدفة أو الحظ ، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على عجزهم عن التفسير الصحيح ، وإلا لم يلجئوا إلى ما يخبط خبط عشواء ، ويرمي عن غير قصد وتصميم .
التفسير الكاشف — صفحة 132 | محمد جواد مغنية