تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
المعنى : ( وإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وما هُوَ مِنَ الْكِتابِ ) . هذه الآية عطف على الآية التي قبلها ، وهي ( مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ ) . والليّ معناه عطف الشيء ورده عن الاستقامة إلى الاعوجاج ، والمراد به هنا التحريف ، وقد سجل اللَّه على أهل الكتاب انهم حرّفوا كلام اللَّه وسجل ذلك عليهم في العديد من الآيات ، منها : « تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيراً - 91 الانعام » ، ومنها : « . . يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهُمْ يَعْلَمُونَ - 75 البقرة . ومن اطلع على التوراة جزم بأنها افتراء على اللَّه ، حيث نسبت إليه تعالى الأكل والمصارعة ، كما نسبت إلى الأنبياء السكر والخمر والزنا ببناتهم . ثم إن التحريف يتحقق بالتطعيم والتقليم ، كأن يزاد في الكتاب ، أو يحذف منه ، وأيضا يتحقق بتحريف الحركات تحريفا يغير المعنى ، فيجعل الفاعل مفعولا ، والمفعول فاعلا ، وأيضا يتحقق التحريف بالتفسير ، فيفسر - مثلا - يد اللَّه باليد الحقيقية ، لا باليد المجازية ، وهي القدرة . واختلف المفسرون في نوع التحريف المراد بهذه الآية على أقوال ، وذهب الشيخ محمد عبده إلى أن المراد بالتحريف هنا تحريف التفسير ، وإعطاء اللفظ معنى غير المعنى المراد منه ، وضرب مثلا على ذلك بلفظ ( أبانا الذي في السماء ) الذي جاء على لسان السيد المسيح فإن المراد منه رأفة اللَّه ورحمته بعباده ، ولكن بعض الرؤوس فسّره بأن اللَّه أب حقيقي لعيسى ( ع ) . والذي نميل إليه في تفسير هذه الآية ان ذاك الفريق من أهل الكتاب كان يلوك ألفاظا من عندياته ، ويخترعها من مخيلته ، ويوهم الناس انها من كتاب اللَّه ، كي يعتقدوا بالباطل . . وعلى هذا يكون لفظ الكتاب الأول الوارد في الآية موصوفا بصفة محذوفة ، وهي المزعوم ، ولفظ الكتاب الثاني والثالث موصوفا بصفة محذوفة أيضا ، وهي الحقيقي ، والتقدير يلوون ألسنتهم بالكتاب المزعوم المحرّف لتحسبوا أيها الناس هذا المحرّف المزعوم من الكتاب الحقيقي الأصيل ، وما هو من الكتاب الأصيل في شيء .
التفسير الكاشف — صفحة 94 | محمد جواد مغنية