تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
ومبلَّغ شريعته ، وعصمه عما تآمروا به عليه ، وأطلعه على الحقيقة ، وفضح السارق ، وبرأ الذي رماه بجرمه ظلما وبهتانا . . وقيل : ان المتهم البريء كان من اليهود ، والسارق كان من الأنصار ، وانه بعد ان افتضح هرب وانضم إلى المشركين . . وظاهر الآيات ينطبق كل الانطباق على هذه الحادثة ، واليك البيان . ( إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ ) . نقول - ونستغفر اللَّه - ان هذا الخطاب من اللَّه لنبيه الأكرم يومئ إلى نحو من العتاب ، فكأنه جلت عظمته يقول له : اني اصطفيتك لنفسي ورسالتي دون الخلق ، وأنزلت عليك القرآن لكي تحكم بين الناس بما تعلم علم اليقين انه حكم اللَّه ، والآن أوشك المخادعون أن يغرروا بك ، ولكن اللَّه عصمك عما دبروه لك من حملك على تبرئة غير البريء ، حيث أطلعك على حقيقتهم ومؤامراتهم . وان دل هذا على شيء فإنما يدل على أن العصمة ليست أمرا قهريا كالطول والقصر ، وانما هي وصف يصرف صاحبه عن الحرام ، مع قدرته على فعله ، ويدفع به إلى فعل الواجب ، مع قدرته على تركه . وهذه الآية رد وإبطال لقول القائلين بأن النبي يحكم في بعض المسائل باجتهاده ، لأنها صريحة واضحة في أنه لا يحكم إلا بوحي من اللَّه . . هذا ، إلى أن المجتهد يصيب ويخطئ ، والنبي يفصل في خلاف المجتهدين ، ويبيّن خطأ من أخطأ وصواب من أصاب . ( ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً ) . النبي ما خاصم ، ومحال أن يخاصم عن الخائنين ، ونهيه عن التخاصم عنهم لا يستلزم وقوعه منه ، بل إن النهي عن المحرم يقع قبل اقترافه ، ولو ورد بعده لانتقض الغرض منه . وتسأل : إذا كان فعل الحرام محالا على النبي لمكان عصمته ، فما هو المسوغ - إذن - لنهيه عنه ؟ . الجواب : ان للَّه ان يوجه أمره إلى نبيه في جميع الحالات ، لأنه أمر من الأعلى إلى من هو دونه في العلو . . هذا ، إلى أن الأمر بالواجب ، والنهي عن المحرم كثيرا ما يوجهان من اللَّه إلى الأنبياء لمجرد الاعلام بالحكم . ( واسْتَغْفِرِ اللَّهً إِنَّ اللَّهً كانَ غَفُوراً رَحِيماً ) . قال الطبري في تفسيره : ان