تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
اللَّه أمر النبي أن يستغفر عن عقوبة ذنبه في المخاصمة عن الخائنين . . ونحن نستغفر اللَّه من هذا التفسير ، فان النبي ( ص ) - كما قدمنا - لم يخاصم عن الخائنين بدليل الآية الآتية 113 : ( ولَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ ) . أما الأمر بالاستغفار من الذنب فإنه لا يستلزم وجود الذنب . . والذي نراه في تفسير الآية ان النبي ( ص ) بصفته بشرا قد يحسن الظن بمن لا يستحقه ، ثم تنكشف له الحقيقة عن طريق الوحي أو غيره قبل ان يرتب أي أثر على حسن ظنه ، فأمره سبحانه أن يستغفر اللَّه مما يعرض له من حسن الظن بمن ليس أهلا له . . والقصد ان يتحفظ ويحتاط ، ولا يركن إلا بعد اليقين . ( ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهً لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً ) . الخطاب بظاهره للنبي ( ص ) ، ولكن التكليف عام لكل عاقل بالغ ، بخاصة القضاة والحكام ، أما الذين يختانون أنفسهم فهم من اقترف ذنبا ورمى به بريئا . . ومن جادل عنهم فهو مثلهم ، ومعنى خيانة المرء لنفسه ان يحملها ما لا تطيق من العذاب لإخلاله بالواجبات ، وارتكابه المحرمات ، وقدمنا ان النبي ( ص ) ما دافع ، ولن يدافع عن الخائنين ، وهذه الآية تؤكد قوله : ( ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً ) وتبين أيضا ان من ظلم غيره فقد ظلم نفسه ، وانه تعالى يمقت كل خائن وظالم لنفسه ولغيره . ( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ ) . يخفي المجرم جريمته ، ويتوارى في الظلام عن أعين الناس رغبة في مدحهم ، أو رهبة من ذمهم ، وكان الأولى أن يعكس القضية فيستخفي من اللَّه - لو أمكن - ولا يعتني إطلاقا بالناس ، لأن اللَّه وحده هو مالك الضر والنفع ، وغيره لا يغني عنه شيئا ، ومديح الناس وذمهم مجرد كلمات تذهب مع الريح . . وإذا كان الاختفاء من اللَّه محالا فطاعته تكون حتما ، لا ندبا . . ولا حكمة أبلغ من هذا البيت : فليت الذي بيني وبينك عامر * وبيني وبين العالمين خراب