تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
تذروه الرياح ، ومن هنا كانت الهجرة حينذاك هي الفضيلة العظمى ، والمنقبة الأولى التي لا يدانيها شيء . هاجر النبي ( ص ) من مكة إلى المدينة ، وأمر المسلمين بالهجرة إليها . فاستجاب له كثيرون ، وتخلف آخرون تمسكا بأموالهم ومصالحهم ، لأن المشركين كانوا لا يدعون مهاجرا يحمل معه شيئا من ماله ، ويشددون عليه بالأذى ، ويمنعونه من إقامة دينه ، وهو عاجز عن الدفاع والمقاومة ، ولكنه كان قادرا على الخلاص والتحرر من الاضطهاد ، وإقامة الدين على أكمل الوجوه بالهجرة من دار الحرب على المسلمين إلى دار الإسلام والأمان ، إلى المدينة ، حيث النبي والصحابة . . لذلك وبخ اللَّه سبحانه الذين آثروا البقاء في دار الكفر والحرب على الدين وأهله ، وبخهم وأنبهم بلسان ملائكة الموت قائلا : ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ) بترك الجهاد والهجرة إلى دار الإسلام ، والرضا بالبقاء في دار الكفر والاذلال والإخلال بواجبات الدين ، وتكثير الكافرين وتقليل المؤمنين ( قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ) أي قال ملائكة الموت للذين تركوا الهجرة : في أي شيء كنتم ؟ . . وليس هذا سؤالا في واقعه ، وانما هو تأنيب وتبكيت ، وبديهة ان التأنيب يكون على شيء واقع ومعلوم ، وهو هنا تخلفهم عن إخوانهم المهاجرين الذين أطاعوا الرسول في تنفيذ خطته لتحطيم الشرك وإعلاء كلمة اللَّه . وان سأل سائل : هل كان هذا التوبيخ من ملائكة الموت للمتخلفين حين الاحتضار وقبل الموت ، أم بعده ؟ . أجبناه : ان علم هذا عند ربي ، وقد سكت عنه ، فنسكت نحن أيضا عما سكت اللَّه عنه ، قال رسول اللَّه ( ص ) : « ان اللَّه سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلفوها » . ( قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ ) . هذا اعتذار واعتلال من المتخلفين ، ومعناه ان المتخلفين أجابوا الملائكة الذين أنبوهم على التقصير في أمر الدين ، أجابوهم : كنا عاجزين في دار الشرك عن القيام بواجبات الدين ، لأن المشركين اضطهدونا ، ومنعونا من ممارسة ما نعتقد ، فرد الملائكة هذا الاعتذار و ( قالُوا »
التفسير الكاشف — صفحة 418 | محمد جواد مغنية