بين هجرة الرسول من مكة المكرمة وهجرة الفلسطينيين
من الأرض المقدسة :
من عجيب الصدف وغرائبها أن يتفق - من غير قصد - وصولي بتفسير القرآن الكريم إلى آيات الهجرة - مع أول السنة الهجرية لعام 1388 ، وإسرائيل تحتل أرضنا المقدسة ، وأهلنا يهاجرون منها فرارا من التنكيل والتقتيل الجماعي الذي مارسته إسرائيل ، وما زالت تمارسه .
وقد أوحت إليّ هذه الصدفة بالمقارنة بين اعتداء المشركين في مكة على المسلمين ، وإخراجهم من ديارهم ، وبين الاعتداء الإسرائيلي - وبالأصح - الاعتداء الاستعماري على الأرض المقدسة ، وإخراج أهلها من ديارهم . ثم انتقلت من هذه المقارنة إلى استخراج العبرة والعظة من جهاد النبي ( ص ) والمسلمين في هجرتهم ، وتدبير الخطط وأحكامها الذي بلغ بالمسلمين إلى أوج النصر على عدوهم ، وتحطيم طغيانه وعدوانه ، وأوقف صناديد قريش الذين أخرجوا النبي من مكة ، أوقفهم بين يديه أذلاء مستسلمين ، يستمعون إليه ، وهو يقول لهم : « ما تظنون اني فاعل بكم » ؟
وقد يظن البعض ان الهدف الأول من هجرة النبي والمسلمين هو مجرد الهروب بدينهم من المشركين الذين تعرضوا لهم بالأذى ، ومنعوهم من ممارسة الشعائر والأعمال الدينية ، تماما كما يلتجئ العابد الزاهد إلى المسجد ، لقيم فيه صلاته بعيدا عن الضوضاء والغوغاء . . . كلا ، لقد كانت هجرة المسلمين أبعد وأعمق من ذلك . . . والدليل ما حققته من نتائج وأهداف . لقد كانت هجرة الرسول بالإضافة إلى الهروب بالدين - خطة مرسومة ومدبرة تمهيدا للمعركة الفاصلة ، تماما كانسحاب الجيش من ميدان القتال إلى موقع آخر من مواقعه استعدادا للهجوم المعاكس والانقضاض على العدو بضربة قاضية لا تقوم له بعدها قائمة .
وبعد أن وصل النبي إلى المدينة آخى بين أصحابه ، وجمع القلوب المتخاصمة ، وأذاب ما فيها من عصبية وأحقاد ، وحين تم له ذلك بدأ يرغَّب المسلمين في الجهاد ، ويحثهم على الدفاع عن كيانهم وعقيدتهم ، ويضمن الجنة لمن يقتل في سبيل اللَّه ، والعزة والكرامة دنيا وآخرة لمن ينجو من القتل . ولما أخذت هذه