تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
الجواب : إذا علم علما يقينيا ان الذهاب إلى أي مكان كان بلدا أو مجلسا أو سوقا يوقعه حتما في ترك الواجب ، أو فعل الحرام وجب عليه الاحجام عنه ، وإذا كان مقيما فيه وجب عليه الرحيل عنه ، لأن السبب التام الذي يستلزم حتما الحرام فهو حرام . . قال تعالى : « فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ - 68 الانعام » . وقال الإمام أمير المؤمنين ( ع ) : « والهجرة قائمة على حدها الأول » أي لم يزل حكمها الوجوب على من يتعذر عليه القيام بأحكام دينه إلا في بلد مسلم . أما قول النبي ( ص ) : « لا هجرة بعد الفتح » فان المراد به الهجرة من مكة ، وتدل عليه لفظة الفتح . ( ومَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وسَعَةً ) . ان الأرزاق لا تنحصر بالأوطان ، والهجرة لا تستوجب الحرمان ، فبلاد اللَّه واسعة ، ورزقه أوسع ، ونعمه في كل بلد لا تعد ولا تحصى . . وان كثيرا من الفقراء قد جمعوا من مهاجرهم أموالا لم يحلموا بجزء منها ، وهم في أوطانهم . . ولو أن المتخلفين هاجروا لوجدوا من الرزق والعزة ما يرغمون به أنوف المشركين الذين أذاقوهم ألوانا من الذل والاضطهاد . . ولكن المتخلفين رفضوا الهجرة ، وتحملوا الهوان والاذلال من أعداء دينهم ، لا لشيء الا لأن الشيطان وعدهم الفقر ، ان هاجروا ، فركنوا إلى وعده ، وآثروه على مغفرة اللَّه وفضله : « الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ويَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ واللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وفَضْلًا واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ - 268 البقرة » . ( ومَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) . كل من قصد بجد واخلاص عملا من أعمال الطاعة ، ثم عجز عنه فان اللَّه سبحانه يكتب له ثوابه تاما كاملا تفضلا منه وكرما . وتكلمنا عن ذلك مفصلا عند تفسير الآية 144 من سورة آل عمران ، فقرة لكل امرئ ما نوى . . وروي ان جندب بن ضمرة لما سمع آية الهجرة قال لبنيه : واللَّه لا أبيت في مكة ، حتى أخرج منها ، فاني أخاف أن أموت فيها ، وكان مريضا شديد المرض ، فخرجوا يحملونه على سرير ، حتى إذا بلغ مكانا في الطريق يقال له التنعيم مات ، فنزل قوله تعالى : « ومَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ ورَسُولِهِ » الخ . .